وقد احتجّ العلماء بهذه الآيات في إبطال التقليد، ولم يمنعهم كفرُ أولئك من الاحتجاج بها؛ لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر، وإنما وقع التشبيه بين التقليدين١ بغير حجة للمقلِّد، كما لو قلَّد رجلًا فكفر، وقلَّد آخر فأذنبَ، وقلَّد آخر في مسألة فأخطأ وجهَها= كان كلُّ واحد ملومًا على التقليد بغير حجة؛ لأن كل ذلك تقليدٌ يُشبِه٢ بعضه بعضًا وإن اختلفت الآثام فيه. وقال الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾[التوبة: ١١٥].
قال٣: فإذا بطلَ التقليد بكل ما ذكرنا وجب التسليم للأصول التي يجب التسليم لها، وهي الكتاب والسنة وما كان في معناهما بدليل جامع.
ثم ساق من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إني لا أخاف على أمتي من بعدي إلا من أعمالٍ ثلاثة»، قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: «أخافُ عليهم زَلَّة العالم، ومن حكم جائرٍ، ومن هوًى متَّبَع»٤.
(١) د: «المقلدين». والمثبت موافق لما في «الجامع».
(٢) ت: «تشبيه».
(٣) أي ابن عبد البر في «الجامع» (٢/ ٩٧٧).
(٤) رواه ابن عبد البر في «الجامع» (١٨٦٥) والبيهقي في «المدخل» (٨٣٠). ورواه أيضًا البزار (٣٣٨٤) والطبراني (١٤)، وفي إسناده كثير بن عبد الله المزني متكلم فيه، وبه ضعَّفه ابن عدي وابن مفلح والهيثمي. انظر: «الكامل» (٧/ ١٨٩)، و«الآداب الشرعية» (٢/ ٥٠)، و«مجمع الزوائد» (١/ ١٨٧).
وبهذا الإسناد عن النبي ﷺ أنه قال: «تركتُ فيكم أمرين لن تَضِلُّوا ما تمسَّكْتم بهما: كتاب الله، [٥/ب] وسنة رسوله١ﷺ»٢.
قلت: والمصنِّفون في السنة٣ جمعوا بين فساد التقليد وإبطاله وبيان زَلَّة العالم، ليبيِّنوا بذلك فسادَ التقليد، وأن العالم قد يَزِلُّ ولا بدَّ؛ إذ ليس بمعصوم، فلا يجوز قبول كلِّ ما يقوله، و[أن]٤ يُنزَّل قولُه منزلةَ قول المعصوم؛ فهذا الذي ذمَّه كلُّ عالمٍ على وجه الأرض، وحرَّموه وذمُّوا أهله، وهو أصل بلاء المقلِّدين وفتنتهم، فإنهم يقلِّدون العالم فيما زلَّ فيه وفيما لم يزلَّ، وليس لهم تمييز بين ذلك، فيأخذون الدين بالخطأ ولا بدَّ، فيُحِلُّون ما حرَّم الله ويُحرِّمون ما أحلَّ٥ ويشرعون ما لم يشرع، ولا بدَّ لهم من ذلك، إذ كانت العصمة منتفيةً عمن قلَّدوه، فالخطأ واقع منه٦ ولا بدَّ.
وقد ذكر البيهقي٧ وغيره من حديث كثير هذا عن أبيه عن جده
(١) ت: «رسول الله».
(٢) رواه ابن عبد البر في «الجامع» (٢/ ٩٧٩) وإسناده كالسابق، وفي الباب عن جابر بن عبد الله وأبي سعيد ﵃. انظر: «السلسلة الصحيحة» (١٧٦١).
(٣) «في السنة» ساقطة من ع.
(٤) زيادة ليستقيم السياق.
(٥) بعدها في ت زيادة كلمة الجلالة «الله».
(٦) ع: «منهم».
(٧) في «المدخل» (٨٣١) وفي «السنن الكبرى» (١٠/ ٢١١)، ورواه أيضًا ابن عدي في «الكامل» (٧/ ١٩٢). وفي إسناده كثير، وبه ضعفه العراقي والألباني. انظر «المغني عن حمل الأسفار» (ص ٦٤٠) و«السلسلة الضعيفة» (١٧٠٠).