وذكر٢ من حديث مسعود بن سعد عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ أشدَّ ما أتخوَّفُ على أمتي ثلاث: زَلَّة عالمٍ٣، وجدال منافقٍ بالقرآن، ودنيا٤ تَقطَع أعناقَكم».
ومن المعلوم أن المَخُوف في زلَّة العالم تقليدُه فيها؛ إذ لولا التقليد لم يُخَفْ من زلَّة العالم على غيره.
فإذا عرف أنها زلَّة لم يجزْ له أن يتبعه فيها باتفاق المسلمين، فإنه اتباعٌ للخطأ٥ على عَمْد، ومن لم يعرف أنها زلَّة فهو أعذَرُ منه، وكلاهما مفرِّط فيما أُمِر به. وقال الشعبي: قال عمر: يُفْسِدُ الزمانَ ثلاثةٌ: أئمَّة مُضِلُّون، وجدالُ المنافق بالقرآن ــ والقرآنُ حقٌّ ــ وزلَّةُ العالمِ٦.
(١) في النسخ: «فيه». والتصويب من مصادر التخريج.
(٢) أي البيهقي في «المدخل» (٨٣٢) وفي «الشعب» (٩٨٢٩)، وفي إسناده يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف، وبه ضعفه ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (٢/ ٤٦). وفي الباب عن معاذ ﵁ مرفوعًا وموقوفًا وسلمان ﵁ مرفوعًا سيأتي قريبًا بعد حديثين.
(٣) ت: «العالم».
(٤) ت: «وذنبا» تصحيف.
(٥) ت: «الخطأ».
(٦) رواه البيهقي في «المدخل» (٨٣٣)، وإسناده منقطع؛ لأن الشعبي لم يدرك عمر، ولكن له طريق آخرعن الشعبي عن زياد بن حدير عن عمر ﵁ عند الدارمي (٢٢٠) وابن عبد البر في «الجامع» (٢/ ٩٧٩)، وصححه ابن كثير في «مسند الفاروق» (٢/ ٦٦٢).
وقد تقدَّم١ أن معاذًا كان لا يجلس مجلسًا للذكر إلا قال حين يجلس: الله حَكَمٌ قِسْطٌ، هلكَ المرتابون ــ الحديث، وفيه: «وأُحذِّركم زيغةَ الحكيم؛ فإن الشيطان قد يقول الضلالةَ على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمةَ الحق». قلتُ٢ لمعاذ: ما يُدرِيني [٦/أ]ــ رحِمَك الله ــ أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال لي: «اجتنِبْ من كلام الحكيم المشبَّهات٣ التي يقال: ما هذه؟ ولا يَثْنِيَنَّك٤ ذلك عنه، فإنه لعله يراجع، وتَلَقَّ الحقَّ إذا٥ سمعتَه، فإنّ على الحقّ نورًا»٦. وذكر البيهقي٧ من حديث حمّاد بن زيد عن المثنّى بن سعيد عن أبي العالية قال: قال ابن عباس: ويلٌ للأتباع من عَثَراتِ العالم، قيل: وكيف ذاك يا أبا عبّاسٍ٨؟ قال:
(١) (١/ ٢٢٠).
(٢) القائل يزيد بن عميرة.
(٣) كذا في ت، س. وفي ع: «المشتهرات». ويُروى باللفظين كما بيَّن ذلك أبو داود عندما أخرج الحديث في «سننه» (٤٦١١).
(٤) د: «يثنيك». والمثبت من بقية النسخ وأبي داود.
(٥) ع: «إذ».
(٦) رواه أبو داود (٤٦١١) وصححه الحاكم (٤/ ٤٦٠). وانظر: «سنن أبي داود» تحقيق شعيب الأرنؤوط (٧/ ٢١).
(٧) في «المدخل» (٨٣٥) وابن عبد البر في «الجامع» (٢/ ٩٨٤) والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (٢/ ٢٧) وابن حزم في «الإحكام» (٦/ ٩٩).
(٨) كذا في النسخ و«المدخل»، وهو صواب، فهي كنية عبد الله بن عباس، كما في «السير» (٣/ ٣٣١) و«الإصابة» (٦/ ٢٢٨) وغيرهما. وجعله المحقق في المطبوع: «ابن عباس»، ظنًّا منه أنه الصواب. وفاته أن ذكر المخاطب بالكنية من أساليب العرب قديمًا وحديثًا، يقصدون به إكرامه.