فإن قال: «لأنّ١ معلِّمي وإن كان أصغرَ فقد جمعَ عِلْمَ [٨/أ] من هو فوقه إلى علمه، فهو أبصرُ بما أخذَ وأعلمُ بما تركَ»، قيل له: وكذلك من تعلَّم من معلِّمك، فقد جمع علْمَ معلِّمك وعلْمَ من فوقه إلى علمه، فيلزمك تقليده وتركُ تقليد معلّمك. وكذلك أنت أولى أن تقلِّد نفسك من معلِّمك؛ لأنك جمعتَ علْمَ معلِّمك وعلْمَ من هو فوقه إلى علمك. فإنّ قلد٢ قوله جعل الأصغر ومن يحدث من صغار العلماء أولى بالتقليد من أصحاب رسول الله ﷺ، وكذلك الصاحب عنده يلزمه تقليدُ التابع والتابع من دونه في قياس قوله، والأعلى للأدنى أبدًا، وكفى بقولٍ يؤولُ إلى هذا تناقضًا وفسادًا٣.
قال أبو عمر٤: قال أهل العلم والنظر: حدُّ العلم التبيينُ وإدراكُ المعلوم على ما هو به، فمن بانَ له الشيء فقد علِمَه، قالوا: والمقلِّد لا علمَ له، لم يختلفوا في ذلك٥. ومن ههنا ــ والله أعلم ــ قال البُحتري٦:
عرفَ العالمون فضلَك بالعلـم وقال الجهَّالُ بالتقليد
(١) ع: «إن».
(٢) كذا في النسخ، وفي «الجامع»: «فاد». ولعل الصواب: «قياس» كما سيأتي بعد سطرين.
(٣) إلى هنا انتهى نقل ابن عبد البر لكلام المزني.
(٤) في «الجامع» (٢/ ٩٩٣).
(٥) «في ذلك» ساقطة من د.
(٦) من قصيدة له في مدح محمد بن عبد الملك الزيات في «ديوانه» (١/ ٦٣٨) و«تاريخ بغداد» (٢/ ٣٤٢).
وأرى الناسَ مُجمِعين١ على فضـلك من بينِ سيِّدٍ ومَسُود
وقال أبو عبد الله بن خُوازِ مَنْدادَ٢ البصري المالكي٣: التقليد معناه في الشرع الرجوعُ إلى قول لا حجةَ لقائله عليه، وذلك ممنوع منه في الشريعة. والاتباع: ما ثبت عليه حجة.
وقال في موضع آخر من كتابه: كل من اتبعتَ قولَه من غير أن يجب عليك قبولُه بدليل يوجب ذلك فأنت مقلِّده، والتقليد في دين الله غير صحيح، وكلُّ من أوجب الدليلُ عليك اتباعَ قوله فأنت متَّبِعُه، والاتباع في الدين مَسُوغٌ، والتقليد ممنوع.
قال٤: وذكر محمد بن حارث في «أخبار سَحْنون بن سعيد»٥ عنه قال: [كان]٦ مالك وعبد العزيز بن أبي سلمة ومحمد بن إبراهيم بن دينار وغيرهم يختلفون إلى ابن هُرمز، فكان إذا سأله مالك وعبد العزيز أجابهما، وإذا سأله ابنُ دينار وذووه لا يجيبهم، فتعرَّض له ابن دينار يومًا فقال له: يا أبا بكر لِمَ تَستحِلُّ [٨/ب] منّي ما لا يحلُّ لك٧؟ قال له: يا ابنَ أخي، وما
(١) ت: «مجمعون».
(٢) يُنظر في ضبط هذا الاسم: «تاج العروس» (٨/ ٥٧) طبعة الكويت.
(٣) النقل مستمر عن «الجامع» لابن عبد البر (٢/ ٩٩٣).
(٤) أي ابن عبد البر في «الجامع» (٢/ ٩٩٤).
(٥) ذكر هذا الكتاب القاضي عياض في «ترتيب المدارك» (٤/ ٤٦).
(٦) ليست في النسخ، وزيدت من «الجامع». وفي هامش ع إشارة إليها برمز ظ.