إعلام الموقعين

فإن قال١: قِصَري وقلَّة علمي يَحمِلني على التقليد، قيل له: أما من قلَّد فيما ينزِل به من أحكام٢ شريعته عالمًا يتفق له على علمه فيصدرُ في ذلك عما يُخبِره فمعذورٌ؛ لأنه قد أتى ما٣ عليه، وأدَّى ما لزِمه٤ فيما نزل به لجهله، ولا بُدَّ له من تقليدِ عالِمه فيما جهله؛ لإجماع المسلمين أن المكفوف يقلِّد من يَثِقُ بخبره في القبلة؛ لأنه لا يقدر على أكثر من ذلك.

ولكن من كانت هذه حالَه هل تجوز له الفتوى في شرائع دين الله، فيحمِلُ غيرَه على إباحة الفروج وإراقة الدماء واسترقاق الرقاب وإزالة الأملاك، ويُصيِّرها إلى غيرِ من٥ كانت في يديه بقولٍ لا يَعرِف صحته ولا قام له الدليل عليه، وهو مقِرٌّ أن قائله يخطئ ويصيب، وأنّ مخالفَه في ذلك ربّما كان المصيبَ فيما يخالفه فيه؟ فإن أجاز الفتوى لمن جهِلَ الأصلَ والمعنى لحفظِه الفروعَ لزِمَه أن يجيزه للعامة، وكفى بهذا جهلًا وردًّا للقرآن. قال الله ﷿: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقال: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨]. وقد أجمع العلماء على أن ما لم يتبيَّن ولم٦ يُستيقَن فليس بعلم، وإنما هو ظنّ، والظنّ لا يُغنِي من الحقّ شيئًا.

  1. (١) الكلام مستمرٌّ نقلًا عن «الجامع» (٢/ ٩٩٥).
  2. (٢) ت: «أحكامه».
  3. (٣) ع: «بما».
  4. (٤) ت: «ألزمه».
  5. (٥) ع: «ما».
  6. (٦) في هامش ع: «وإن لم».
35

ثم ذكر١ حديث ابن عباس: «من أفتى بفُتيا وهو يَعمَى عنها كان إثمُها عليه» موقوفًا٢ ومرفوعًا٣.

قال: وثبتَ٤ عن النبي ﷺ: «إيّاكم والظنَّ، فإنّ الظنّ أكذبُ الحديث»٥.

قال٦: ولا خلافَ بين أئمة الأمصار في فساد التقليد، ثم ذكر من طريق ابن وهب: أخبرني يونس عن ابن شهاب أخبرني أبو عثمان بن سَنَّة٧ أن رسول الله ﷺ قال: «إن العلم بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء»٨.

[٩/ب] ومن طريق كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «إن الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء»، قيل له٩: يا

  1. (١) «الجامع» (٢/ ٩٩٥).
  2. (٢) رواه ابن عبد البر في «الجامع» (٢/ ٨٦٢، ٩٩٢)، ورواه أيضًا الدارمي (١٦٢) والبيهقي في «المدخل» (١٨٦)، والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (٢/ ٣٢٨).
  3. (٣) مضى تخريجه قريبًا من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا.
  4. (٤) في النسخ: «وهب» تحريف، والتصويب من «الجامع».
  5. (٥) رواه البخاري (٥١٤٣) ومسلم (٢٥٦٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
  6. (٦) الكلام مستمر لابن عبد البر في «الجامع» (٢/ ٩٩٦).
  7. (٧) في النسخ: «مسنة». والتصويب من «الجامع» و«الإصابة» (١٢/ ٥٠١). وأبو عثمان هذا تابعي.
  8. (٨) أخرجه ابن عبد البر في «الجامع» (٢/ ٩٩٦) بهذا الطريق مرسلًا. وأصل الحديث أخرجه مسلم (١٤٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
  9. (٩) «له» ساقطة من ع.
36

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي