وإذا كان المقلِّد ليس من العلماء باتفاق العلماء لم يدخل في شيء من هذه النصوص، وبالله التوفيق.
فصل
وقد نهى الأئمة الأربعة عن تقليدهم، وذمُّوا من أخذ أقوالهم بغير حجة؛ فقال الشافعي: مثل الذي يطلب العلم بلا حجّة كمثل حاطب ليلٍ، يَحمل حُزمةَ حطبٍ وفيه أفعى تلدغُه، وهو لا يدري. ذكره البيهقي١.
وقال إسماعيل بن يحيى المُزَني في أول «مختصره»٢: اختصرتُ هذا من علم الشافعي، ومن معنى قوله، لأقرِّبه على من أراده، مع إعلامِيْهِ٣ نهْيَه عن تقليده وتقليد غيره، لينظر فيه لدينه ويحتاط فيه لنفسه.
وقال أبو داود٤: قلت لأحمد: الأوزاعي هو أتبعُ من مالك؟ قال: لا تقلِّدْ دينَك أحدًا من هؤلاء، ما جاء عن النبي ﷺ وأصحابه فخُذْ به، ثم التابعين بعدُ الرجلُ فيه مخيَّر.
وقد فرَّق أحمد بين التقليد والاتّباع، فقال أبو داود: سمعته يقول: الاتّباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي ﷺ وعن أصحابه، ثم هو من بعدُ في
(١) رواه البيهقي في «المدخل» (٢٦٣) وفي «مناقب الشافعي» (٢/ ١٤٣)، وابن أبي حاتم في «آداب الشافعي ومناقبه» (ص ٧٤)، والحاكم في «المدخل إلى كتاب الإكليل» (ص ٢٨)، والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (٢/ ١٥٧) وفي «نصيحة أهل الحديث» (ص ٣٢).
(٢) «مختصر المزني» مع «الأم» (٨/ ٩٣) ط. دار الفكر.
(٣) ع: «إعلانه».
(٤) في «مسائل الإمام أحمد» (ص ٣٦٩).
التابعين مخيَّر١.
وقال أيضًا: لا تقلِّدني [١٠/أ] ولا تقلِّدْ مالكًا ولا الثوريَّ ولا الأوزاعيَّ، وخذْ من حيث أخذوا٢.
وقال: مِن قلّة فقهِ الرجل أن يقلِّد دينَه الرجالَ٣.
وقال بشر بن الوليد: قال أبو يوسف: لا يحلُّ لأحدٍ أن يقول مقالتنا حتى يعلم من أين قلنا٤.
وقد صرَّح مالك بأن من ترك قول عمر بن الخطاب لقول إبراهيم النخعي أنه يستتاب، فكيف مَن ترك قول الله ورسوله لقول من هو دون إبراهيم أو مثله؟ فقال جعفر الفِريابي: حدثني أحمد بن إبراهيم الدَّورقي، حدثني الهيثم بن جَمِيل، قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله، إنّ عندنا قومًا وضعوا كتبًا، يقول أحدهم: ثنا فلان عن فلان عن عمر بن الخطاب بكذا وكذا، وفلان عن إبراهيم بكذا، ويأخذ بقول إبراهيم. قال مالك: وصحَّ عندهم قول عمر؟ قلت: إنما هي رواية، كما صحّ عندهم قول إبراهيم، فقال مالك: هؤلاء يُستتابون٥، والله أعلم٦.