وهذا عالم الأرض عمر قد قلَّد أبا بكر، فروى شعبة عن عاصم الأحول عن الشعبي أن أبا بكر قال في الكلالة: أقضي فيها، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأً فمنّي ومن الشيطان والله منه بريء، هو ما دون الولد والوالد، فقال عمر [١٠/ب] بن الخطاب: إني لأستحيي من الله أن أخالفَ أبا بكر١. وصحَّ عنه أنه قال له: رأيُنا لرأيِك تَبَعٌ٢٣.
وصحَّ عن ابن مسعود أنه كان يأخذ بقول عمر٤.
وقال الشعبي عن مسروق: كان ستة من أصحاب النبي ﷺ يفتون الناس: ابن مسعود، وعمر بن الخطاب، وعلي، وزيد بن ثابت، وأبي بن
(١) رواه ابن حزم في «الإحكام» (٦/ ١٢٧) من هذا الطريق، ورواه عبد الرزاق (١٩١٩١) وسعيد بن منصور في «سننه» (التفسير) (٥٩١)، وابن أبي شيبة (٣٢٢٥٥)، والدارمي (٣٠١٥) والشعبي لم يسمع من عمر، وقول عمر في الكلالة مخرَّج أيضًا عند الحاكم (٤/ ٣٧٣) وإسناده صحيح. انظر: «التلخيص الحبير» (٣/ ١٩١).
(٢) «وصح عنه ... تبع» ساقطة من ع.
(٣) يشير إلى حديث طارق بن شهاب أنه قال: جاء وفد بُزاخة أسد وغطفان إلى أبي بكر يسألونه الصلح، فخيّرهم أبو بكر بين الحرب المجلية، والسلم المخزية ...، وفيه قول عمر ﵁: قد رأيت رأيا، وسنشير عليك ... إلخ القصة، وسيأتي سياق القصة بطولها. والحديث روى البخاري طرفًا منه (٧٢٢١)، وساقه ابن أبي شيبة بطوله (٣٣٤٠٠)، والبيهقي (٨/ ٣٣٥)، وابن زنجويه في «الأموال» (٢/ ٤٦١)، وصححه البرقاني في «مستخرجه» كما في «الجمع بين الصحيحين» (١/ ٩٦).
(٤) من ذلك ما رواه ابن أبي شيبة (٧٤١٠)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١٨٢٧)، والطبراني (٨٨٣٤) من قول ابن مسعود ﵁: إنَّ عمر كره الصلاةَ بعد العصر، وأنا أكرهُ ما كره عمرُ.
كعب، وأبو موسى، وكان ثلاثة منهم يَدَعُون قولهم لقول ثلاثة: كان عبد الله يدع قوله لقول عمر، وكان أبو موسى يدع قوله لقول علي، وكان زيد يدع قوله لقول أبي بن كعب١.
وقال جندب٢: ما كنت أدَعُ قولَ ابنِ مسعود لقول أحدٍ من الناس٣.
وقد قال النبي ﷺ: «إنَّ معاذًا قد سنَّ لكم سنَّةً، فكذلك فافعلوا»٤، في شأن الصلاة حيث أخّر، فصلّى ما فاته مع الإمام بعد الفراغ، وكانوا يصلُّون ما فاتهم أولًا ثم يدخلون مع الإمام.
قال المقلّد: وقد أمر الله بطاعته وطاعة رسوله وأولي الأمر، وهم العلماء، أو العلماء والأمراء، وطاعتهم تقليدهم فيما يفتون به، فإنه لولا التقليد لم يكن هناك طاعةٌ تختصُّ بهم.
وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾[التوبة: ١٠٠]، وتقليدهم اتباعٌ لهم، ففاعله ممن ﵁، ويكفي في ذلك الحديث المشهور: «أصحابي
(١) رواه ابن حزم في «الإحكام» (٦/ ٦٧)، وفي إسناده جابر بن يزيد الجعفي متكلم فيه، وبنحوه رواه ابن سعد في «الطبقات» (٢/ ٣٥١)، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (١/ ٤٤٤)، والبيهقي «المدخل» (١٤٦).
(٢) ع: «حبيب»، تحريف.
(٣) رواه ابن حزم في «الإحكام» (٦/ ٦٧)، وفي إسناده جابر بن يزيد الجعفي متكلم فيه.
(٤) رواه أبو داود (٥٠٦) ومن طريقه البيهقي (٣/ ٩٣)، والحديث صححه الألباني في «صحيح أبي داود» - الأم (٢/ ٤٢٥).