وهذا أبو حنيفة ﵀ قال في مسائل الآبار١: ليس معه [١٢/أ] فيها إلا تقليدُ من تقدَّمه من التابعين فيها٢.
وهذا مالك لا يخرج عن عمل أهل المدينة، ويصرّح في «موطَّئه» بأنه أدرك العمل على هذا، وهو الذي عليه أهل العلم ببلدنا٣.
ويقول في غير موضع: «ما رأيتُ أحدًا أَقتدِي به يفعله»٤. ولو جمعنا ذلك من كلامه لطال.
وقد قال الشافعي في الصحابة: رأيهم لنا خيرٌ من رأيِنا لأنفسنا٥.
ونحن نقول ونصدِّق أن رأي الشافعي والأئمة معه لنا خيرٌ من رأينا لأنفسنا.
وقد جعل الله سبحانه في فِطَرِ العباد تقليدَ المتعلّمين للأستاذين والمعلِّمين، ولا تقوم مصالح الخلق إلا بهذا، وذلك عامٌّ في كلّ علم
(١) ع، د: «الآثار».
(٢) قال المرغيناني في «الهداية» (١/ ٢٤): وإذا وقعت في البئر نجاسة نزحت، وكان نزح ما فيها من الماء طهارة لها بإجماع السلف، ومسائل الآبار مبنية على اتباع الآثار دون القياس. وانظر تفصيل المسألة في «المبسوط» للسرخسي (١/ ٥٨) و«البحر الرائق» لابن نجيم (١/ ١١٧).
(٥) انظر: المدخل للبيهقي (٣٧) وعزاها إلى الرسالة القديمة. وانظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٥/ ٧٣)، و«مجموع الفتاوى» (٤/ ١٥٨)، و«منهاج السنة النبوية» (٦/ ٨١).
وصناعة، وقد فاوتَ الله سبحانه بين قوى الأذهان كما فاوتَ بين قوى الأبدان، فلا يحسُن في حكمته وعدله ورحمته أن يَفرِض على جميع خلقه معرفةَ الحق بدليله والجواب عن معارضه في جميع مسائل الدين دقيقِها وجليلِها؛ ولو كان كذلك لتساوتْ أقدامُ الخلائق في كونهم علماء، بل جعل سبحانه هذا عالمًا، وهذا متعلّمًا، وهذا متبعًا للعالم مؤتمًّا به، بمنزلة المأموم مع الإمام والتابع مع المتبوع. وأين حرَّم الله تعالى على الجاهل أن يكون متبعًا للعالم مؤتمًّا به مقلّدًا له، يسيرُ بسيرِه وينزل بنزوله؟
وقد علم الله سبحانه أن الحوادث والنوازل كلَّ وقت نازلةٌ بالخلق، فهل فرض على كلّ منهم فرضَ عينٍ أن يأخذ حكم نازلته من الأدلة الشرعية بشروطها ولوازمها؟ وهل ذلك في إمكانٍ فضلًا عن كونه مشروعًا؟ وهؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ فتحوا البلاد، وكان الحديثُ العهدِ بالإسلام يسألهم فيفتونه، ولا يقولون له: عليك أن تطلب معرفة الحق في هذه الفتوى بالدليل، ولا يُعرف ذلك عن أحدٍ منهم البتَّةَ. وهل التقليد إلا من لوازم التكليف ولوازم الوجود فهو من لوازم الشرع والقدر. [١٢/ب] والمنكرون له مضطرُّون إليه ولا بدَّ، وذلك فيما تقدَّم بيانه من الأحكام وغيرها.
ونقول لمن احتجَّ على إبطاله: كل حجة أثرية ذكرتَها فأنت مقلِّدٌ لحَمَلَتِها ورواتها؛ إذ لم يقُمْ دليل قطعيٌّ على صدقهم، فليس بيدك إلا تقليد الراوي، وليس بيد الحاكم إلا تقليد الشاهد، وكذلك ليس بيد العامّي إلا تقليد العالم، فما الذي سوَّغَ لك تقليدَ الراوي والشاهد ومَنَعَنا من تقليد العالم؟ وهذا سمع بأذنه ما رواه، وهذا عقَلَ بقلبه ما سمعه، فأدَّى هذا مسموعَه، وأدَّى هذا معقولَه، وفُرِض على هذا تأديةُ ما سمعه، وعلى هذا