وأجوَزُ أن يظفر نظيره ومن بعده بعلمٍ خفي عليه هو؛ فإن الشَّبه١ بين من قلّدته وبين نظيره ومن بعده أقربُ بكثير من الشبه بين من قلَّدته٢ وبين الصحابة، والخفاء على من قلّدته أقرب من الخفاء على [١٤/ب] الصحابة.
ويقال سادسًا: إذا سوَّغتَ لنفسك مخالفة الأفضل الأعلم لقول المفضول فهلّا سوَّغتَ لها مخالفة المفضول لمن هو أعلم منه؟ وهل كان الذي ينبغي ويجب إلا عكس ما ارتكبتَ؟
ويقال سابعًا: هل أنت في تقليد إمامك وإباحة الفروج والدماء٣ والأموال ونقْلِها عمّن هي بيده إلى غيره موافقٌ لأمر الله أو رسوله أو إجماع أمته أو قول أحد من الصحابة؟ فإن قال: «نعم» قال ما يعلم الله ورسوله وجميع العلماء بطلانَه٤، وإن قال: «لا» فقد كفانا٥ مؤنته، وشهد على نفسه بشهادة الله ورسوله وأهل العلم عليه٦.
ويقال ثامنًا: تقليدك لمتبوعك يُحرِّم٧ عليك تقليدَه؛ فإنه نهاك عن ذلك، وقال: لا يحلُّ لك أن تقول بقوله حتى تعلم من أين قاله، ونهاك عن تقليده وتقليد غيره من العلماء، فإن كنتَ مقلّدًا له في جميع مذهبه فهذا من
(١) ت، ع: «النسبة» هنا وفيما يلي. والمثبت من د.
(٢) ع: «بينه».
(٣) «والدماء» ساقطة من ع.
(٤) «فإن قال ... بطلانه» ساقطة من ع.
(٥) ع: «كفى». ت: «كفا».
(٦) «عليه» ساقطة من ع.
(٧) ع: «محرم».
مذهبه، فهلّا اتبعتَه فيه؟
ويقال تاسعًا: هل أنت على بصيرة في أن من قلّدته أولى بالصواب من سائر من رغِبتَ عن قوله من الأولين والآخرين أم لستَ على بصيرة؟ فإن قال: «أنا على بصيرة» قال ما يُعلَم بطلانه، وإن قال: «لست على بصيرة» وهو الحق، قيل له: فما عذرك غدًا بين يدي الله حين لا ينفعك من قلّدته بحسنة واحدة، ولا يحمل عنك سيئة واحدة، إذا حكمتَ وأفتيتَ بين خلقه بما لستَ على بصيرةٍ منه هل هو صواب أم خطأ؟
ويقال عاشرًا: هل تدَّعي عصمة متبوعك أو تجوِّز عليه الخطأ؟ والأول لا سبيل إليه، بل تُقِرُّ ببطلانه؛ فتعيَّن الثاني، وإذا جوَّزت عليه الخطأ١، فكيف تحلِّل٢ وتحرِّم وتُوجِب وتُرِيق الدماء وتُبِيح الفروج وتنقل الأموال وتَضْرِب الأَبْشَار٣ بقول مَن أنت مقِرٌّ بجواز كونه مخطئًا؟
ويقال حادي عشر: هل تقول [١٥/أ] إذا أفتيتَ وحكمتَ بقول من قلّدته: إن هذا هو دين الله الذي أرسل به رسوله، وأنزل به كتابه وشرعه لعباده، ولا دينَ له سواه؟ أو تقول: إنّ دين الله الذي شرعَه لعباده خلافُه؟ أو تقول: لا أدري؟ ولا بدَّ لك من قولٍ من هذه الأقوال. ولا سبيل لك إلى الأول قطعًا؛ فإن دين الله الذي لا دينَ له سواه لا تَسُوغ مخالفته، وأقلُّ درجات مخالفه أن يكون من الآثمين، والثاني لا تدَّعيه٤، فليس لك ملجأٌ
(١) «الخطأ» ليست في ت، د.
(٢) هذا الفعل والأفعال الآتية بصيغة الغائب أو مهملة النقط في ت، د. والمثبت من ع.
(٣) جمع بَشَر، وهي ظاهر الجلد. انظر «النهاية» (١/ ١٢٩).