إعلام الموقعين

جوابنا أنّا حلّلنا وحرّمنا وقضينا بما في كتاب «الأصل» لمحمد بن الحسن مما رواه عن أبي حنيفة وأبي يوسف من رأيٍ واختيار، وبما في «المدونة» من رواية سَحْنون عن ابن القاسم من رأيٍ واختيار، وبما في «الأم» من رواية الربيع من رأيٍ واختيار، وبما في جوابات غير هؤلاء من رأيٍ واختيار، وليتَكُم اقتصرتم على ذلك أو صعدتم إليه أو سَمَتْ هِمَمُكم نحوه، بل نزلتم عن ذلك طبقاتٍ، فإذا سُئِلتم: هل فعلتم ذلك عن أمري أو أمر رسولي؟ فماذا يكون جوابكم إذًا؟ فإن أمكنكم حينئذٍ أن تقولوا: فعلْنا ما أمرتَنا به وأمرنا به رسولُك، فُزتم وتخلَّصتم، وإن لم يمكنكم ذلك فلا بدَّ أن تقولوا: لم تأمرنا بذلك ولا رسولك ولا أئمتنا، ولا بدَّ [١٦/أ] من أحد الجوابين، وكأنْ قَدْ١.

ويقال خامس عشر: إذا نزل عيسى ابن مريم إمامًا عدلًا وحكمًا مُقسِطا٢، فبمذهبِ مَن يحكم؟ وبرأيِ مَن يقضي؟ ومعلوم أنه لا يحكم ويقضي٣ إلا بشريعة نبينا ﷺ التي شرعَها لعباده؛ فذلك الذي يقضي به أحقُّ، وأولى الناسِ به عيسى ابن مريم هو الذي أوجب عليكم أن تَقضُوا وتُفتوا به٤، ولا يحلُّ لأحدٍ أن يقضي ولا يفتي بشيء سواه البتَّةَ.

  1. (١) لمح إلى بيت النابغة الذبياني في «ديوانه» (ص ٨٩):
    أزِفَ الترحُّلُ غيرَ أن رِكابنا ... لما تزلْ برِحالنا وكأنْ قَدِ
    والمعنى: كأنه قد تحقَّق هذا الأمر، وقرُبَ وقت الوقوف بين يدي الله والسؤال عما قضيتم وأفتيتم به في دينه.
  2. (٢) كما رواه مسلم (١٥٥) من حديث أبي هريرة ﵁، وهو حديث متواتر.
  3. (٣) ع: «لا يقضي ولا يحكم».
  4. (٤) ت: «تفتوا وتقضوا به».
59

فإن قلتم: نحن وأنتم في هذا السؤال سواء، قيل: أجلْ، ولكن نفترق في الجواب، فنقول: يا ربنا إنك لتعلم أنّا لم نجعلْ أحدًا من الناس عِيارًا على كلامك وكلام رسولك، ونَرُدَّ١ ما تنازعنا فيه إليه، ونتحاكَمْ إلى قوله، ونُقدِّمْ أقواله على كلامك وكلام رسولك وكلام أصحاب رسولك، وكان الخلق عندنا أهْوَن أن نقدِّم كلامَهم وآراءَهم على وحيك، بل أفتينا بما وجدناه في كتابك، وبما وصل إلينا من سنة رسولك، وبما أفتى به أصحابُ نبيك، وإن عَدَلْنا عن ذلك فخطأٌ منا لا عَمْدٌ، ولم نتخذ من دونِك ولا رسولِك ولا المؤمنين وليجةً، ولم نفرِّق ديننا ونكون شِيَعًا، ولم نتقطَّعْ أمرَنا بيننا زُبرًا. وجعلنا أئمتنا قدوةً لنا، ووسائطَ بيننا وبين رسولك في نقلهم ما بلَّغوه إلينا عن رسولك٢، فاتبعناهم في ذلك، وقلَّدناهم فيه، إذ أمرتَنا أنت وأمرنا رسولك بأن نسمع منهم، ونقبلَ٣ ما بلَّغوه عنك وعن رسولك، فسمْعًا لك ولرسولك وطاعةً. ولم نتخذْهم أربابًا نتحاكمُ إلى أقوالهم، ونُخاصِم بها، ونُوالي ونُعادي عليها، بل عرضنا أقوالَهم على كتابك وسنة رسولك، فما وافقهما قبِلناه، وما خالفهما أعرضْنا عنه وتركناه، وإن كانوا أعلمَ منّا بك وبرسولك، فمن وافق قولُه قولَ رسولك كان أعلمَ منهم في تلك المسألة. فهذا جوابنا، ونحن نُناشِدكم الله: هل أنتم كذلك حتى يُمكِنكم هذا الجواب بين يدي مَن لا يُبَدَّلُ القولُ لديه، ولا يَرُوجُ الباطل [١٦/ب] عليه؟

  1. (١) مجزوم عطفًا على «نجعلْ»، وكذلك الفعلان «نتحاكمْ» و«نقدِّمْ»، فتنسحب «لم» على جميع الأفعال، فيكون فيها معنى النفي، وفي نسخة ع: «لا نتحاكم» و«لا نقدم». ولا داعي لزيادة «لا».
  2. (٢) «في نقلهم ... رسولك» ساقطة من ت.
  3. (٣) «ونقبل» ساقطة من ت.
60

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي