بعض [١٨/ب] ألفاظ الحديث: أن رجلًا أفطر فأمره النبي ﷺ أن يكفِّر١. ثم خالفوا هذا اللفظ بعينه فقالوا: إن استفَّ دقيقًا أو بلَعَ عجينًا أو إهْلِيْلَجًا٢ أو طِيبًا أفطر، ولا كفارة عليه.
واحتجوا على وجوب القضاء على من تعمَّد القيء بحديث أبي هريرة٣، ثم خالفوا الحديث بعينه فقالوا: إن تقيَّأ أقلَّ من مِلْء فيه فلا قضاء عليه.
واحتجوا على تحديد مسافة الفطر والقصر بقوله ﷺ: «لا يحلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرةَ ثلاثة أيام إلا مع زوجٍ أو ذي مَحْرمٍ»٤. وهذا مع أنه لا دليلَ فيه البتةَ على ما ادَّعَوه فقد خالفوه نفسه، فقالوا: يجوز للمملوكة والمكاتَبة وأم الولد السفرُ مع غير زوج ومَحْرم.
واحتجوا على منع المُحرِم من تغطية وجهه بحديث ابن عباس في الذي وَقَصَتْه ناقته وهو مُحرِم، فقال النبي ﷺ: «لا تُخَمِّروا رأسَه ولا وجهَه، فإنه يُبعَث يوم القيامة ملبيًا»٥. وهذا من العجب، فإنهم يقولون: إذا مات
(١) رواه البخاري (١٩٣٦) ومسلم (١١١١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) ثمر على هيئة حبِّ الصنوبر الكبار، وشجره ينبت في الهند وكابل والصين.
(٣) رواه أبو داود (٢٣٨٠) والترمذي (٧٢٠) وحسنه، وابن ماجه (١٦٧٦) وأحمد (١٠٤٦٣)، وقال الدارقطني (٢٢٧٣): رواته كلهم ثقات، وصححه ابن حبان (٣٥١٨) والحاكم (١/ ٤٢٦) على شرط الشيخين، ووافقه الألباني، واحتجَّ به ابن تيمية. وانظر: «الإرواء» (٤/ ٥١) و«مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢٢١ - ٢٢٢).
(٤) رواه مسلم (١٣٤٠) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ بلفظ قريب منه.
(٥) تقدم تخريجه.
المحرم جاز تغطية رأسه ووجهه، وقد بطل إحرامُه.
واحتجوا على إيجاب الجزاء على من قتل ضَبُعًا في الإحرام بحديث جابر أنه أفتى بأكلها وبالجزاء على قاتلها، وأسند ذلك إلى رسول الله ﷺ١. ثم خالفوا الحديث نفسه فقالوا: لا يحلُّ أكلها.
واحتجوا فيمن وجبت عليه ابنةُ مخاضٍ فأعطى ثُلُثَي ابنة لَبونٍ تساوي بنتَ مخاض أو حمارًا يُساويها أنه يُجزِئه، بحديث أنس الصحيح وفيه: «من وجبتْ عليه ابنةُ مخاضٍ وليست عنده، وعنده ابنةُ لَبونٍ؛ فإنها تؤخذ منه، ويردُّ عليه الساعي شاتينِ أو عشرين درهمًا»٢. وهذا من العجب، فإنهم لا يقولون بما دلَّ عليه الحديث من تعيين ذلك، ويستدلّون به على ما لم يدلَّ عليه بوجهٍ ولا أُرِيدَ به.
واحتجوا على إسقاط الحدود في دار الحرب إذا فعل المسلم [١٩/أ] أسبابها بحديث: «لا تُقطع الأيدي في الغزو»٣، وفي لفظ: «في السفر»٤. ولم يقولوا بالحديث؛ فإنّ٥ عندهم لا أثرَ للسفر ولا للغزو في ذلك.
(١) تقدم تخريجه.
(٢) جزء من حديث أنس ﵁ رواه البخاري (١٤٥٣).
(٣) رواه الترمذي (١٤٥٠) وأحمد (١٧٦٢٦)، وفي إسناده ابن لهيعة وهو متكلم فيه، وتوبع بسعيد بن يزيد عند أحمد أيضًا (١٧٦٢٧) من حديث بُسْر بن أرطاة، والحديث جوّده الذهبي. انظر: «فيض القدير» (٦/ ٤١٧).
(٤) رواه أبو داود (٤٤٠٨) والنسائي (٤٩٧٩) وقواه ابن حجر في «الإصابة» (١/ ٤٢٢).