بالناس قائمًا، فتقدّم النبي ﷺ وجلس فصلّى بالناس؛ وتأخر أبو بكر١. ثم خالفوا الحديث في نفس ما دلّ عليه، وقالوا: إن تأخَّر الإمام لغير حَدَثٍ وتقدَّم الآخر، بطلتْ صلاة الإمامين وصلاة جميع المأمومين.
واحتجوا على بطلان صوم مَن أكل يظنُّه ليلًا فبان نهارًا، بقوله ﷺ: «إنّ بلالًا يؤذِّن بليلٍ، فكلوا واشربوا حتى يؤذِّن ابن أم مكتوم»٢. ثم خالفوا الحديث في نفس ما دلّ عليه، فقالوا: لا يجوز الأذان للفجر بالليل، لا في رمضان ولا في غيره. ثم خالفوه من وجه آخر، فإنّ في نفس الحديث: «وكان ابن أمّ مكتوم رجلًا أعمى لا يؤذِّن حتى يقال له: [٢٠/ب] أصبحتَ أصبحتَ»٣، وعندهم من أكل في ذلك الوقت بطل صومه.
واحتجوا على المنع من استقبال القبلة واستدبارها بالغائط بقول النبي ﷺ: «لا تستقبلوا القبلةَ بغائطٍ ولا بولٍ ولا تستدبروها»٤. وخالفوا الحديث نفسه، وجوَّزوا استقبالها واستدبارها بالبول.
واحتجوا على شرط الصوم في الاعتكاف بالحديث الصحيح عن عمر أنه نذر في الجاهلية أن يعتكف ليلةً في المسجد الحرام، فأمره النبي ﷺ أن يوفي بنذره٥. وهم لا يقولون بالحديث؛ فإن عندهم أن نذر الكافر لا ينعقد، ولا يلزم الوفاء به بعد الإسلام.
(١) رواه البخاري (٦٦٤) ومسلم (٤١٨) من حديث عائشة ﵂.
(٢) رواه البخاري (٦٢٢) ومسلم (١٠٩٢) من حديث ابن عمر ﵄.
(٣) رواه البخاري (٦١٧) ومسلم (١٠٩٢) من حديث ابن عمر ﵄.
(٤) رواه البخاري (١٤٤) ومسلم (٢٦٤) من حديث أبي أيوب ﵁.
(٥) رواه البخاري (٢٠٣٢) ومسلم (١٦٥٦).
واحتجوا على الردّ١ بحديث: «تَحُوزُ المرأةُ ثلاثَ مواريثَ: عتيقها، ولقيطها، وولدها الذي لاعنتْ عليه»٢. ولم يقولوا بالحديث في حيازتها مالَ لقيطِها، وقد قال به عمر بن الخطاب٣ وإسحاق بن راهويه٤، وهو الصواب.
واحتجوا في توريث ذوي الأرحام بالخبر الذي فيه: «التمسوا له وارثًا أو ذَا رحمٍ» فلم يجدوا، فقال: «أعطوه الكُبْرَ٥ من خُزاعة»٦. ولم يقولوا
(١) الردّ: صورته أن الميت إن لم يخلِّف وارثًا إلّا ذوي فروض، ولا يستوعب المال، كالبنات والأخوات والجدات، فإن الفاضل عن ذوي الفروض يُردُّ عليهم على قدر فروضهم إلّا الزوج والزوجة. انظر «المغني» (٩/ ٤٨).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) يشير إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة (٣٢٢٢٨) عن الزهري أن عمر بن الخطاب أعطى ميراث المنبوذ للذي كفله، وإسناده منقطع، وصحَّ بوجه آخر عند عبد الرزاق (١٣٨٤٠) عن ابن شهاب قال: حدثني أبو جميلة، أنه وجد منبوذًا على عهد عمر بن الخطاب، فأتاه فاتهمه، فأُثني عليه خيرًا، فقال عمر: هو حر، وولاؤه لك، ونفقته من بيت المال. والأثر علقه البخاري في «صحيحه» بصيغة الجزم (٨/ ١٥٤) وصححه ابن حزم في «المحلى» (٧/ ١٣٣). وانظر «فتح الباري» (١٢/ ٣٩).
(٤) انظر: «مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه» (٨/ ٤٣٨٩) و«الإجماع» لابن المنذر (ص ٧٦) و«المغني» لابن قدامة (٦/ ٤٣٥).
(٥) ع: «الكثر» تصحيف. يقال: هو كُبْر قومه، أي أكبرهم في السنّ أو في الرياسة أو في النسب.
(٦) رواه أبو داود (٢٩٠٤) وأحمد (٢٢٩٤٤)، وفي إسناده جبريل بن الأحمر، وهو مختلف فيه، وحكم ابن كثيرعلى الحديث بالنكارة. انظر: «جامع المسانيد والسنن» (١/ ٤٧٣) و«ضعيف أبي داود» - الأم (٢/ ٣٩٨).