إعلام الموقعين

الذي بعث الله به رسوله لكان الدين كل وقت في ظهور وزيادة والعلم في شهرة وظهور، وهو خلاف ما أخبر به الصادق.

الوجه الثامن والعشرون: أن الاختلاف كثير في كتب المقلدين وأقوالهم، وما كان من عند الله فلا اختلاف فيه، بل هو حق يصدِّق بعضه بعضًا، ويشهد بعضه لبعض، وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].

الوجه التاسع والعشرون: أنه لا يجب على العبد أن يقلِّد زيدًا دون عمرو، بل يجوز له الانتقال من تقليد هذا إلى تقليد الآخر عند المقلدين، فإن كان قول من قلَّده أولًا هو الحق لا سواه فقد جوَّزتم له الانتقال عن الحق إلى خلافه، وهذا محال. وإن كان الثاني هو الحق وحده فقد جوَّزتم [٢٦/أ] الإقامة على خلاف١ الحق. وإن قلتم: القولان المتضادان المتناقضان حقٌّ، فهو أشدُّ إحالةً، ولا بدَّ لكم من قسم من هذه٢ الأقسام الثلاثة.

الوجه الثلاثون: أن يقال للمقلّد: بأي شيء عرفتَ أن الصواب مع من قلّدته دون من لا تقلّده؟ فإن قال: «عرفته بالدليل» فليس بمقلّد، وإن قال: «عرفته تقليدًا له؛ فإنه أفتى بهذا القول ودان به، وعلمُه ودينُه وحسنُ ثناء الأمة عليه يمنعه أن يقول غير الحق»، قيل له: فمعصومٌ هو عندك أم يجوز عليه الخطأ؟ فإن قال بعصمته أبطلَ، وإن جوَّز عليه الخطأ قيل له: فما

  1. (١) ت: «غير».
  2. (٢) د: «هؤلاء».
93

يُؤمِنك أن يكون قد أخطأ فيما قلَّدتَه فيه وخالفه فيه غيره؟ فإن قال: وإن أخطأ فهو مأجور، قيل: أجل هو مأجور لاجتهاده، وأنت غير مأجور لأنك لم تأتِ بموجب الأجر، بل قد فرَّطتَ في الاتباع الواجب، فأنتَ إذًا مأزور. فإن قال: كيف يأجره الله على ما أفتى به ويمدحه عليه ويذمُّ المستفتيَ على قبوله منه؟ وهل يُعقل هذا؟ قيل: المستفتي إن قصَّر وفرَّط في معرفة الحق مع قدرته عليه لحِقَه الذمُّ والوعيد، وإن بذل جهده ولم يقصر فيما أمر به واتقى الله ما استطاع فهو مأجور أيضًا، وأما المتعصب الذي جعل قول متبوعه عِيارًا على الكتاب والسنة وأقوال الصحابة يزِنها بها١، فما وافق قولَ متبوعه منها قبله وما خالفه ردَّه، فهذا إلى الذمّ والعقاب أقرب منه إلى الأجر والثواب. وإن قال ــ وهو الواقع ــ: اتبعتُه وقلّدته ولا أدري أعلى صواب هو أم لا، فالعهدة على القائل، وأنا حاكٍ لأقواله، قيل له: فهل تتخلَّص بهذا من الله عند السؤال لك عما حكمت به بين عباد الله وأفتيتهم به، فوالله إن للحكّام والمفتين لموقفًا للسؤال لا يتخلَّص فيه إلا من عَرَف الحقّ وحكم به وعرفَه وأفتى به، وأما من عداهما فسيعلم عند [٢٦/ب] انكشاف الحال أنه لم يكن على شيء.

الوجه الحادي والثلاثون: أن نقول: أخذتم بقول فلان؛ لأنّ فلانًا قاله أو لأن رسول الله ﷺ قاله؟ فإن قلتم: «لأن فلانا قاله» جعلتم قول فلان حجة، وهذا عين الباطل، وإن قلتم: «لأن رسول الله ﷺ قاله» كان هذا أعظم وأقبح؛ فإنه مع تضمُّنه للكذب على رسول الله ﷺ وتقويلكم عليه٢ ما لم يقله، وهو أيضًا كذبٌ على المتبوع فإنه لم يقل: هذا قول رسول الله ﷺ؛ فقد دار

  1. (١) كذا في النسخ، توهُّمًا أن العيار بمعنى الميزان مؤنث، وليس كذلك.
  2. (٢) ع: «تقولكم إليه».
94

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي