إعلام الموقعين

بلغه من السنة بقوله: قال أبو بكر وعمر، ويقول: [٣٠/أ] يُوشِك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله، وتقولون١: قال أبو بكر وعمر٢. فرحم الله ابن عباس ورضي عنه، فوالله لو شاهد خلفنا هؤلاء الذين إذا قيل لهم: قال رسول الله؛ قالوا: قال فلان وفلان، لمن لا يداني الصحابة ولا قريبًا من قريب.

وإنما كانوا يدَعون أقوالهم لأقوال هؤلاء؛ لأنهم يقولون القول ويقول هؤلاء؛ فيكون الدليل معهم فيرجعون إليهم ويدعون أقوالهم، كما يفعل أهل العلم الذين هو أحب إليهم مما سواه، وهذا عكس طريقة فرقة التقليد من كل وجه، وهذا هو الجواب عن قول مسروق: ما كنتُ أدعُ قول ابن مسعود لقول أحد من الناس٣.

الوجه التاسع والثلاثون: قولهم: إن النبي ﷺ قال: «قد سنَّ لكم معاذٌ فاتبعوه»٤. فعجبًا لمحتجٍّ بهذا على تقليد الرجال في دين الله، وهل صار ما

  1. (١) ت، د: «تقولوا».
  2. (٢) رواه أحمد (٣١٢١) من طريق شريك عن الأعمش عن فضيل بن عمرو عن سعيد بن جبير عنه به، وفي إسناده شريك النخعي متكلم فيه، وله طريقان أخريان، الأولى: عند الطبراني في «المعجم الأوسط» (٢١)، والثانية: عند ابن عبد البر في «الجامع» (٢/ ١٢١٠)، وابن حزم في «حجة الوداع» (ص ٣٥٣).
  3. (٣) تقدم تخريجه.
  4. (٤) تقدم تخريجه.
105

سنَّه معاذ سنةً إلا بقوله ﷺ: «فاتبعوه»، كما صار الأذان سنةً بقوله ﷺ وإقراره وشرعه١، لا بمجرد المنام.

فإن قيل: فما معنى الحديث؟

قيل: معناه أن معاذًا فعل فعلًا جعله الله لكم سنة، وإنما صار سنة لنا حين أمر به النبي ﷺ، لا لأن معاذًا فعلَه فقط، وقد صحَّ عن معاذ أنه قال: كيف تصنعون بثلاث: دنيا تقطع أعناقكم، وزلَّة عالم، وجدال منافقٍ بالقرآن؟ فأما العالم فإن اهتدى فلا تقلِّدوه دينكم، وإن افْتُتِن فلا تقطعوا منه إياسَكم فإن المؤمن يُفتَتَن ثم يتوب، وأما القرآن فإنّ له منارًا كمنار الطريق لا يخفى على أحدٍ، فما علمتم منه فلا تسألوا عنه أحدًا، وما لم تعلموه فكِلُوه إلى عالمه، وأما الدنيا فمن جعل الله غناه في قلبه فقد أفلح، ومن لا فليستْ بنافعتِه دنياه٢. فصدعَ ﵁ بالحق، ونهى عن التقليد في كل شيء، وأمر باتباع ظاهر القرآن، وأن لا يُبالَى بمن خالف [٣٠/ب] فيه، وأمر بالتوقُّف فيما أشكل، وهذا كلُّه خلاف طريقة المقلّدين، وبالله التوفيق.

الوجه الأربعون: قولكم: «إن الله سبحانه أمر بطاعة أولي الأمر وهم العلماء، وطاعتُهم تقليدهم فيما يفتون به»؛ فجوابه أن أولي الأمر قد قيل: هم الأمراء، وقيل: هم العلماء، وهما روايتان عن الإمام أحمد. والتحقيق: أن

  1. (١) حديث رؤيا الأذان رواه عبد الله بن زيد ﵁، وقد أخرجه أبو داود (٤٩٩)، والترمذي وصححه (١٨٩)، وابن ماجه (٧٠٦)، وأحمد (١٦٤٧٧)، وصححه البخاري كما نقل البيهقي في «سننه الكبرى» (١/ ٣٩١)، وصححه ابن خزيمة (٣٧٠، ٣٧١) وابن حبان (١٦٧٩). انظر: «التنقيح» لابن عبد الهادي (٣/ ٥١).
  2. (٢) تقدم تخريجه.
106

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي