إعلام الموقعين

الآية تتناول الطائفتين، وطاعتهم من طاعة الرسول، لكن خفي على المقلّدين أنهم إنما يُطاعون في طاعة الله إذا أمروا بأمر الله ورسوله؛ فكان العلماء مبلِّغين لأمر الرسول، والأمراء منفِّذين له، فحينئذٍ تجب طاعتهم تبعًا لطاعة الله ورسوله، فأين في الآية تقديم آراء الرجال على سنة رسول الله ﷺ وإيثارُ التقليد عليها؟

الوجه الحادي والأربعون: أن هذه الآية من أكبر الحجج عليهم، وأعظمها إبطالًا للتقليد، وذلك من وجوه:

أحدها: الأمر بطاعة الله التي هي امتثال أمره واجتناب نهيه.

الثاني: طاعة رسوله، ولا يكون العبد مطيعًا لله ورسوله حتى يكون عالمًا بأمر الله ورسوله، ومن أقرَّ على نفسه بأنه ليس من أهل العلم بأوامر الله ورسوله١ وإنما هو مقلّد فيها لأهل العلم= لم يُمكِنْه تحقيقُ طاعة الله ورسوله البتةَ.

الثالث: أن أولي الأمر قد نَهوا عن تقليدهم، كما صحَّ ذلك عن معاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وغيرهم من الصحابة، وذكرناه نصًّا عن الأئمة الأربعة وغيرهم٢، وحينئذٍ فطاعتهم في ذلك إن كانت واجبةً بطل التقليد، وإن لم تكن واجبةً بطل الاستدلال.

الرابع: أنه سبحانه قال في الآية نفسها: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ

  1. (١) «ومن أقر ... ورسوله» ساقطة من ع.
  2. (٢) تقدم تخريجها.
107

وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ [٣٠ مكرر/أ] بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]، وهذا صريح في إبطال التقليد، والمنعِ من ردِّ المتنازَعِ فيه إلى رأي أو مذهب أو تقليد.

فإن قيل: فما هي طاعتهم المختصَّة بهم؟ إذ لو كانوا إنما يطاعون فيما يخبرون به عن الله ورسوله كانت الطاعة لله ورسوله لا لهم.

قيل: وهذا هو الحق، وطاعتهم إنما هي تَبَعٌ لا استقلال، ولهذا قرنَها بطاعة الرسول ولم يُعِدِ العامل، وأفرد طاعة الرسول وأعاد العامل، لئلّا يُتوهَّم أنه إنما يطاع تبعًا كما يطاع أولو الأمر تبعًا، وليس كذلك، بل طاعته واجبة استقلالًا، كان ما أمر به ونهى عنه في القرآن أو لم يكن.

الوجه الثاني والأربعون: قولهم: «إن الله ــ ﷾ ــ أثنى على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وتقليدهم هو اتباعهم بإحسان»، فما أصدقَ المقدمةَ الأولى، وما أكذبَ الثانية! بل الآية من أعظم الأدلة ردًّا على فرقة التقليد؛ فإن اتباعهم هو سلوك سبيلهم ومنهاجهم، وقد نهوا عن التقليد وكون الرجل إمَّعةً، وأخبروا أنه ليس من أهل البصيرة، ولم يكن فيهم ــ ولله الحمد ــ رجل واحد على مذهب هؤلاء المقلدين، وقد أعاذهم الله وعافاهم مما ابتلى به من يردّ النصوص لآراء الرجال وتقليدها؛ فهذا ضدُّ متابعتهم، وهو نفس مخالفتهم؛ فالتابعون لهم بإحسانٍ حقًّا هم أولو العلم والبصائر، الذين لا يقدِّمون على كتاب الله وسنة رسوله رأيًا ولا قياسًا ولا معقولًا ولا قولَ أحد من العالمين، ولا يجعلون مذهب رجلٍ عِيارًا على القرآن والسنن؛ فهؤلاء أتباعهم حقًّا، جعلنا الله منهم بفضله ورحمته.

108

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي