إعلام الموقعين

«اقتدُوا باللذين من بعدي»١، فهذا من أكبر حُججنا عليكم [٣٢/أ] في بطلان ما أنتم عليه من التقليد؛ فإنه خلاف سنتهم، ومن المعلوم بالضرورة أن أحدًا منهم لم يكن يدع السنة إذا ظهرت لقول غيره كائنًا من كان، ولم يكن له معها قول البتةَ، وطريقةُ فرقةِ التقليد خلاف ذلك.

يوضّحه الوجه السابع والأربعون: أنه ﷺ قرن سنتهم بسنته٢ في وجوب الاتباع، والأخذُ بسنتهم ليس تقليدًا لهم، بل اتباعًا لرسول الله ﷺ، كما أن الأخذ بالأذان لم يكن تقليدًا لمن رآه في المنام، والأخذ بقضاء ما فات المسبوقَ من صلاته بعد سلام الإمام لم يكن تقليدًا لمعاذ، بل اتباعًا لمن أمرنا بالأخذ بذلك، فأين التقليد الذي أنتم عليه من هذا؟

يوضحه الوجه الثامن والأربعون: أنكم أول مخالف لهذين الحديثين؛ فإنكم لا ترون الأخذ بسنتهم ولا الاقتداء بهم واجبًا، وليس قولهم عندكم حجة، وقد صرَّح بعض غُلاتكم٣ بأنه لا يجوز تقليدهم، ويجب تقليد الشافعي، فمن العجائب احتجاجكم بشيء أنتم أشدُّ الناس خلافًا له، وبالله التوفيق.

يوضحه الوجه التاسع والأربعون: أن الحديث بجملته حجة عليكم من كل وجه، فإنه أمرَ عند كثرة الاختلاف بسنته وسنة خلفائه، وأمرتم أنتم برأي فلان ومذهب فلان.

  1. (١) تقدم تخريجه.
  2. (٢) ت: «سنته بسنتهم».
  3. (٣) سبق ذكره (ص ٩٩).
115

الثاني: أنه حذّر من محدثات الأمور، وأخبر أن كلّ محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، ومن المعلوم بالاضطرار أنّ ما أنتم عليه من التقليد الذي تُرِك له كتاب الله وسنة رسوله، ويُعرض القرآنُ والسنة عليه، ويُجعل معيارًا عليهما= من أعظم المحدثات والبدع التي برَّأ الله سبحانه منها القرونَ الثلاثة١ التي فضّلها وخيّرها على غيرها.

وبالجملة فما سنَّه الخلفاء الراشدون أو أحدهم للأمة فهو حجة لا يجوز العدولُ عنها، فأين هذا من قول فرقة التقليد: ليست سنتهم [٣٢/ب] حجة، ولا يجوز تقليدهم فيها؟

يوضّحه الوجه الخمسون: أنه ﷺ قال في نفس هذا الحديث: «فإنه مَن يَعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا»٢، وهذا ذمٌّ للمختلفين، وتحذيرٌ من سلوك سبيلهم، وإنما كثر الاختلاف وتفاقم أمره بسبب التقليد، وأهلُه هم الذين فرَّقوا الدين وصيّروا أهله شِيَعًا، كل فرقة تنصر متبوعها وتدعو إليه، وتذمُّ من خالفها ولا يرون العمل بقولهم، حتى كأنهم ملة أخرى سواهم، يدأبون ويكدحون في الرد عليهم، ويقولون: كتبُهم وكتبنا، وأئمتهم وأئمتنا، ومذهبهم ومذهبنا.

هذا، والنبي واحد والقرآن واحد والدين واحد والرب واحد؛ فالواجب على الجميع أن ينقادوا إلى كلمة سواءٍ بينهم كلهم: أن لا يطيعوا إلا الرسول، ولا يجعلوا٣ معه من تكون أقواله كنصوصه، ولا يتخذَ بعضهم

  1. (١) «الثلاثة» ليست في ت، ع.
  2. (٢) تقدم تخريجه.
  3. (٣) ت: «يجعلون».
116

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي