إعلام الموقعين

وقال في كتاب «اختلافه مع مالك»١: والعلم طبقات، الأولى: الكتاب والسنة الثابتة٢، ثم الإجماع فيما ليس كتابًا ولا سنة٣، الثالثة: أن يقول الصحابي فلا يُعلم له مخالف من الصحابة، الرابعة: اختلاف الصحابة، الخامسة: القياس٤. فقدَّم النظر في الكتاب والسنة على الإجماع، ثم أخبر أنه إنما يصير إلى الإجماع فيما لم يعلم فيه كتابًا ولا سنة، وهذا هو الحق.

وقال أبو حاتم الرازي٥: العلم عندنا ما كان عن الله تعالى من كتاب ناطق ناسخٍ غير منسوخ، وما صحّت به الأخبار عن رسول الله ﷺ مما لا معارضَ له، وما جاء عن الألبّاء٦ من الصحابة ما اتفقوا عليه، فإذا اختلفوا لم يخرج من اختلافهم، فإذا خفي ذلك ولم يفهم فعن التابعين، فإذا لم يوجد عن التابعين فعن أئمة الهدى من أتباعهم، مثل أيوب السختياني وحماد بن زيد وحماد بن سلمة٧ وسفيان ومالك والأوزاعي والحسن بن

  1. (١) ضمن كتاب «الأم» (٨/ ٧٦٤).
  2. (٢) د: «الثانية» خطأ، لأن الثانية الإجماع.
  3. (٣) كذا في النسخ. وفي «الأم»: «ليس فيه كتاب ولا سنة».
  4. (٤) هنا انتهى كلام الشافعي.
  5. (٥) رواه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٤٣٢ - ٤٣٣) ثم قال: قصد أبو حاتم إلى تسمية هؤلاء؛ لأنهم كانوا المشهورين من أئمة أهل الأثر في أعصارهم، ولهم نظراء كثيرون من أهل كل عصر أولو نظر واجتهاد، فما أجمعوا عليه فهو الحجة، ويسقط الاجتهاد مع إجماعهم، فكذلك إذا اختلفوا على قولين لم يجز لمن بعدهم إحداث قول ثالث.
  6. (٦) ع: «الأولياء».
  7. (٧) في د بتقديم حماد بن سلمة على حماد بن زيد.
121

صالح، ثم ما لم يوجد عن أمثالهم فعن مثل عبد الرحمن بن مهدي وعبد الله بن المبارك وعبد الله بن إدريس ويحيى بن آدم وابن عيينة ووكيع بن الجراح، ومن بعدهم محمد بن إدريس الشافعي ويزيد بن هارون والحميدي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي [٣٤/ب] وأبي عبيد القاسم. انتهى.

فهذا طريقُ أهل العلم وأئمة الدين، جَعْلُ أقوال هؤلاء بدلًا عن الكتاب والسنة وأقوال الصحابة بمنزلة التيمم، إنما يصار إليه عند عدم الماء؛ فعَدلَ هؤلاء المتأخرون المقلّدون إلى التيمم، والماءُ بين أظهرهم أسهلُ من التيمم بكثير.

ثم حدثت١ بعد هؤلاء فرقة هم أعداء العلم وأهله، فقالوا: إذا نزلت بالمفتي أو الحاكم نازلة لم يجزْ أن ينظر فيها في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا أقوال الصحابة، بل إلى ما قال مقلَّده ومتبوعه ومَن جعله عِيارًا على القرآن والسنة؛ فما وافق قولَه أفتى به وحكم به، وما خالفه لم يجز له أن يفتي به ولا يقضي به، وإن فعل ذلك تعرَّض لعَزْله عن منصب الفتوى والحكم، واستُفْتِي عليه: ما تقول السادة الفقهاء فيمن ينتسب إلى مذهب إمام معين يقلّده دون غيره، ثم يفتي أو يحكم بخلاف مذهبه، هل يجوز له ذلك أم لا؟ وهل يقدح ذلك فيه أم لا؟ فيُنْغِض المقلِّدون رؤوسهم، ويقولون: لا يجوز له ذلك، ويقدح فيه.

ولعل القول الذي عدل إليه هو قول أبي بكر وعمر وابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وأمثالهم؛ فيجيب هذا الذي انتصب للتوقيع

  1. (١) ع: «حدث».
122

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي