إعلام الموقعين

كانت تبليغًا عن الله ورسوله، [٣٦/أ] وكانوا بمنزلة المخبرين فقط، لم تكن فتواهم تقليدًا لرأي فلان وفلان وإن خالفت النصوص؛ فهم لم يكونوا يقلِّدون في فتواهم، ولا يفتون بغير النصوص، ولم تكن المستفتون١ لهم تعتمد٢ إلا على٣ ما يبلِّغونهم إياه عن نبيهم، فيقولون: أمر بكذا، وفعل كذا٤، ونهى عن كذا، هكذا كانت فتواهم؛ فهي حجة على المستفتين كما هي حجة عليهم، ولا فرق بينهم وبين المستفتين لهم في ذلك إلا في الواسطة بينهم وبين الرسول وعدمها، والله ورسوله وسائر أهل العلم يعلمون أنهم وأن مستفتيهم لم يعملوا إلا بما علموه عن نبيهم وشاهدوه وسمعوه منه، هؤلاء بواسطة وهؤلاء بغير واسطة، ولم يكن فيهم من يأخذ قول واحد٥ من الأمة يحلّل ما حلله ويحرّم ما حرمه ويستبيح ما أباحه.

وقد أنكر النبي ﷺ على من أفتى بغير السنة منهم، كما أنكر على أبي السنابل وكذَّبه٦٧، وأنكر على من أفتى برجم الزاني البكر٨، وأنكر على

  1. (١) في النسخ: «المستفتين».
  2. (٢) كذا بتأنيث الفعلين (تكن، تعتمد) في النسخ، على تأويل أن الفاعل جماعة المستفتين.
  3. (٣) «على» ساقطة من ت.
  4. (٤) «وفعل كذا» ليست في د.
  5. (٥) ع: «أحد».
  6. (٦) «وكذبه» ليست في د.
  7. (٧) رواه البخاري (٥٣١٨) ومسلم (١٤٨٤)، وأما التصريح بتكذيبه والإنكار عليه فمخرج عند أحمد (٤٢٧٣).
  8. (٨) تقدم تخريجه.
126

من أفتى باغتسال الجريح حتى مات١، وأنكر على من أفتى بغير علم كمن يفتي بما لا يعلم صحته، وأخبر أن إثم المستفتي عليه٢، فإفتاء الصحابة في حياته نوعان: أحدهما: كان يبلُغه ويُقِرُّهم عليه، فهو حجة بإقراره لا بمجرد إفتائهم، الثاني: ما٣ كانوا يفتون به مبلِّغين له عن نبيهم فهم فيه رواة، لا مقلِّدون ولا مقلَّدون.

الوجه السادس والخمسون: قولكم: «وقد قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٢]، فأوجب قبول نذارتهم، وذلك تقليد لهم»، جوابه من وجوه:

أحدها: أن الله سبحانه إنما أوجب عليهم قبول ما أنذروهم به من الوحي الذي ينزل في غيبتهم عن النبي ﷺ في الجهاد، فأين في هذا حجة لفرقة التقليد على تقديم آراء الرجال على الوحي؟

الثاني: أن الآية حجة عليهم ظاهرة؛ فإنه سبحانه نوَّع عبوديتهم وقيامهم بأمره [٣٦/ب] إلى نوعين: أحدهما: نفير الجهاد، والثاني: التفقه في الدين، وجعل قيام الدين بهذين الفريقين، وهم الأمراء والعلماء، أهل الجهاد وأهل العلم؛ فالنافرون يجاهدون عن القاعدين، والقاعدون يحفظون العلم للنافرين، فإذا رجعوا من نفيرهم استدركوا ما فاتهم من العلم بإخبار من سمعه من رسول الله ﷺ.

  1. (١) تقدم تخريجه.
  2. (٢) تقدم تخريجه.
  3. (٣) «ما» هنا موصولة وليست نافية.
127

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي