تقليد لهم فيما يخبرون به؟ فإن عنيتم الأول فهو باطل، وإن عنيتم الثاني فليس فيه ما تستروحون إليه من التقليد الذي قام الدليل على بطلانه، وقبول قول هؤلاء من باب قبول خبر المخبر والشاهد، لا من باب قبول الفتيا في الدين من غير قيام دليل على صحتها١، بل لمجرد إحسان الظن بقائلها مع تجويز الخطأ عليه، فأين قبول الأخبار والشهادات والأقارير إلى التقليد في الفتوى؟ والمخبر بهذه الأمور يخبر عن أمر حسّي طريقُ العلم به إدراكه بالحواس والمشاعر الظاهرة والباطنة، وقد أمر الله سبحانه بقبول خبر المخبر به إذا كان ظاهر الصدق والعدالة. وطَرْدُ [٣٨/أ] هذا ونظيره: قبول خبر المخبر عن رسول الله ﷺ بأنه قال أو فعل، وقبول خبر المخبر عمن أخبر عنه بذلك، وهلمَّ جرًّا؛ فهذا حق لا ينازع فيه أحد.
وأما تقليد الرجل فيما يخبر به عن ظنه فليس فيه أكثر من العلم بأن ذلك ظنه واجتهاده؛ فتقليدنا له في ذلك بمنزلة تقليدنا له فيما يخبر به عن رؤيته وسماعه وإدراكه، فأين في هذا ما يوجب علينا أو يسوِّغ لنا أن نفتي بذلك أو نحكم به وندين الله به، ونقول: هذا هو الحق وما خالفه باطل، ونترك له نصوص القرآن والسنة وآثار الصحابة وأقوال من عداه من جميع أهل العلم؟
ومن هذا الباب تقليد الأعمى في القبلة٢ ودخول الوقت لغيره، وقد كان ابن أم مكتوم لا يؤذِّن حتى يقلِّد غيره في طلوع الفجر، ويقال له: أصبحتَ أصبحتَ٣، وكذلك تقليد الناس للمؤذّن في دخول الوقت،
(١) ع: «لصحتها».
(٢) «في القبلة» ساقطة من ت.
(٣) تقدم تخريجه.
وتقليد من في المطمورة١ لمن يُعلِمه بأوقات الصلاة والفطر والصوم وأمثال ذلك، ومن ذلك التقليدُ في قبول الترجمة والرسالة والتعريف والتعديل والجرح. كل هذا من باب الأخبار التي أمر الله بقبول المخبر بها إذا كان عدلًا صادقًا، وقد أجمع الناس على قبول خبر الواحد في الهديَّة٢ وإدخال الزوجة على زوجها، وقبول خبر المرأة ذميةً كانت أو مسلمةً في انقطاع دم حيضها لوقته٣ وجواز وطئها وإنكاحها بذلك، وليس هذا تقليدًا في الفتيا والحكم، وإذا كان تقليدًا لها فإن الله سبحانه شرع لنا أن نقبل قولها ونقلِّدها فيه٤، ولم يشرع لنا أن نتلقى أحكامه عن غير رسوله، فضلًا عن أن نترك سنة رسوله لقول واحد من أهل العلم ونقدِّم قوله على قول من عداه من الأمة.
الوجه الستون: قولكم: «وأجمعوا على جواز شراء اللُّحمان والأطعمة والثياب وغيرها من غير سؤال عن أسباب حلّها اكتفاءً بتقليد أربابها»، جوابه: أن هذا ليس تقليدًا [٣٨/ب] في حكم من أحكام الله ورسوله من غير دليل، بل هو اكتفاء بقبول قول الذابح والبائع، وهو اقتداء واتباع لأمر الله ورسوله، حتى لو كان الذابح والبائع يهوديًّا أو نصرانيًّا أو فاجرًا اكتفينا بقوله في ذلك، ولم نسأله عن أسباب الحلّ، كما قالت عائشة: يا رسول الله، إن ناسًا يأتوننا باللحمان لا ندري أذَكروا اسم الله عليها أم لا، فقال: «سمُّوا أنتم
(١) المقصود بها هنا السجن الذي يتخذه بعض الحكام تحت الأرض.