محمد بن الحسن: يجوز للعالم تقليد من هو أعلم منه، ولا يجوز له تقليد مثله١. وقال الشافعي في غير موضع: قلتُه تقليدًا لعمر، وقلته تقليدًا لعثمان، وقلته تقليدًا لعطاء»٢.
جوابه من وجوه:
أحدها: أنكم إن ادّعيتم أن جميع العلماء صرّحوا بجواز التقليد فدعوى باطلة، فقد ذكرنا من كلام الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام في ذم التقليد وأهله والنهي عنه ما فيه كفاية، وكانوا يسمُّون المقلد الإمَّعَة ومُحقِبَ دينِه، كما قال ابن مسعود: الإمَّعة الذي٣ يُحقِب دينَه الرجالَ، [٤٠/ب] وكانوا يسمُّونه الأعمى الذي لا بصيرة له٤، ويسمُّون المقلدين أتباعَ كل ناعق، يميلون مع كل صائح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق، كما قال فيهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب٥، وكما سمّاه الشافعي حاطبَ ليل، ونهى عن تقليده وتقليد غيره٦؛ فجزاه الله عن الإسلام خيرًا، لقد نصح لله ورسوله والمسلمين، ودعا إلى كتاب الله وسنة رسوله، وأمر٧ باتباعهما دون قوله، وأمرنا بأن نعرضَ أقواله عليهما فنقبلَ منها ما وافقهما
(١) تقدم تخريجه.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) «الذي» ساقطة من ع.
(٤) تقدم تخريجه.
(٥) تقدم تخريجه.
(٦) تقدم تخريجه.
(٧) ع: «وأمرنا».
ونردَّ ما خالفهما؛ فنحن نناشد المقلدين الله: هل حفظوا في ذلك وصيتَه وأطاعوه، أم عصوه وخالفوه؟ وإن ادعيتم أن من العلماء من جوَّز التقليد فكان ما رأى١ أن هؤلاء الذين حكيتم عنهم أنهم جوّزوا التقليد لمن هو أعلم منهم هم من أعظم الناس رغبةً عن التقليد واتباعًا للحجة ومخالفةً لمن هو أعلم منهم، فأنتم مقرُّون أن أبا حنيفة أعلم من محمد بن الحسن ومن أبي يوسف، وخلافهما له معروف، وقد صحّ عن أبي يوسف أنه قال: لا يحلُّ لأحدٍ أن يقول مقالتنا حتى يعلم من أين قلنا٢.
الثاني: أنكم منكرون أن يكون من قلّدتموه من الأئمة مقلدًا لغيره أشدَّ الإنكار، وقمتم وقعدتم في قول الشافعي: قلته تقليدًا لعمر، وقلته تقليدًا لعثمان، وقلته تقليدًا لعطاء، واضطربتم في حمل كلامه على موافقة الاجتهاد أشد الاضطراب، وادعيتم أنه لم يقلّد زيدًا في الفرائض، وإنما اجتهد فوافق اجتهادُه اجتهادَه، ووقع الخاطر على الخاطر، حتى وافق اجتهاده في مسائل المعادة٣ حتى في الأكدرية، وجاء الاجتهاد حذوَ القُذَّة بالقذَّة، فكيف نصبتموه مقلدًا ههنا؟ ولكن هذا التناقض جاء من بركة التقليد، ولو اتبعتم العلم من حيث هو واقتديتم بالدليل وجعلتم الحجة إمامًا لما تناقضتم هذا التناقض [٤١/أ] وأعطيتم كلَّ ذي حق حقَّه.
(١) كذا في د، ع. وفي ت: «فكان ماذا». وبعدها في د والمطبوع: «الثاني». وسيأتي الثاني بعد أسطر.