إعلام الموقعين

الوجه السابع والستون: قولكم: «إنه سبحانه فاوتَ بين قوى الأذهان كما فاوتَ بين قوى الأبدان، فلا يليق بحكمته وعدله أن يفرض على كل أحد معرفةَ الحق بدليله في كل مسألة ... إلى آخره»، فنحن لا ننكر ذلك، ولا [٤٣/أ] ندّعي أن الله فرض على جميع خلقه معرفة الحق بدليله في كل مسألة من مسائل الدين دِقِّه وجِلِّه، وإنما أنكرنا ما أنكره الأئمة ومن تقدَّمهم من الصحابة والتابعين، وما حدث في الإسلام بعد انقضاء القرون الفاضلة في القرن الرابع المذموم على لسان رسول الله ﷺ، مِن نصْبِ رجلٍ واحد وجعْلِ فتاويه بمنزلة نصوص الشارع، بل تقديمها عليها، وتقديم قوله على أقوال من بعد رسول الله ﷺ من جميع علماء أمته، والاكتفاء بتقليده عن تلقِّي الأحكام من كتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة، وأن يضمَّ إلى ذلك أنه لا يقول إلا بما في كتاب الله وسنة رسوله. وهذا مع تضمُّنه للشهادة بما لا يعلم الشاهد، والقول على الله بلا علم، والإخبار عمن خالفه ــ وإن كان أعلمَ منه ــ أنه غير مصيب للكتاب والسنة ومتبوعي هو المصيب، أو يقول: كلاهما مصيب للكتاب والسنة، وقد تعارضت أقوالهما، فيجعل أدلة الكتاب والسنة متعارضة متناقضة، والله ورسوله يحكم بالشيء وضدِّه في وقت١ واحد، ودينه تبعٌ لآراء الرجال، وليس له في نفس الأمر حكم معيَّن، فهو إما أن يسلك هذا المسلك أو يخطِّئ من خالف متبوعه، ولا بدَّ له٢ من واحد من الأمرين، وهذا من بركة التقليد عليه.

إذا عُرِف هذا فنحن إنما قلنا ونقول: إن الله تعالى أوجب على العباد أن

  1. (١) «وقت» ساقطة من ع.
  2. (٢) «له» ليست في ع.
146

يتَّقُوه بحسب استطاعتهم، وأصل التقوى معرفة ما يتّقَى ثم العمل به؛ فالواجب على كل عبدٍ أن يبذل جهده في معرفة ما يتقيه مما أمره الله به ونهاه عنه، ثم يلتزم طاعة الله ورسوله، وما خفي عليه فهو فيه أسوةَ أمثالِه ممن عدا الرسول؛ فكلُّ أحدٍ سواه قد خفي عليه بعض ما جاء به، ولم يخرجه ذلك عن كونه من أهل العلم، ولم يكلِّفه الله ما لا يطيق من معرفة الحق واتباعه.

قال أبو عمر١: وليس أحد بعد رسول الله ﷺ [٤٣/ب] إلا وقد خفي عليه بعض أمره، فإذا أوجب الله سبحانه على كل أحد ما استطاعه وبلغَتْه قواه من معرفة الحقّ وعذَرَه فيما خفي عليه منه، فأخطأه أو قلّد فيه غيره= كان ذلك هو مقتضى حكمته وعدله ورحمته، بخلاف ما لو فوّض إلى العباد تقليد من شاؤوا من العلماء، وأن يختار كل منهم رجلًا ينصِبه معيارًا على وحيه، ويُعرِض عن أخذ الأحكام واقتباسها من مشكاة الوحي؛ فإن هذا ينافي حكمته ورحمته وإحسانه، ويؤدي إلى ضياع دينه وهجر كتابه وسنة رسوله كما وقع فيه من وقع، وبالله التوفيق.

الوجه الثامن والستون: قولكم: «إنكم في تقليدكم بمنزلة المأموم مع الإمام والمتبوع مع التابع، والركب خلف الدليل»، جوابه: إنّا والله حولها نُدندِن٢، ولكن الشأن في الإمام والدليل والمتبوع الذي فرض الله على الخلائق أن تأتم به وتتبعه وتسير خلفه، وأقسم سبحانه بعزته أن العباد لو أتوه من كل طريق أو استفتحوا من كل باب لم يفتح لهم حتى يدخلوا خلفه؛

  1. (١) لم أجد هذا النص في مؤلفاته الموجودة.
  2. (٢) د: «ندندن حولها».
147

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي