وخفي على أبي موسى الأشعري ميراث بنت الابن مع البنت السدس، حتى ذُكِر له أن رسول الله ﷺ ورَّثها ذلك١.
وخفي على ابن عباس تحريم لحوم الحُمُر الأهلية، حتى ذُكِر له أن رسول الله ﷺ حرَّمها يوم خيبر٢.
وخفي على ابن مسعود حكم المفوّضة، وتردَّدوا إليه فيها شهرًا فأفتاهم برأيه، ثم بلغه النصُّ بمثل ما أفتى به٣.
وهذا باب لو تتبعناه لجاء سِفْرًا كبيرًا، فنسأل حينئذٍ فرقةَ التقليد: هل يجوز أن يخفى على من قلَّدتموه بعضُ شأن رسول الله ﷺ كما خفي ذلك على سادات الأمة أو لا؟ فإن قالوا: «لا يخفى عليه» وقد [٤٨/أ] خفي على الصحابة مع قرب عهدهم= بلغوا في الغلوّ مبلغَ مدَّعي العصمة في الأئمة، وإن قالوا: «بل يجوز أن يخفى عليهم» وهو الواقع، وهم مراتبُ في الخفاء في القلة والكثرة= قلنا٤: فنحن نناشدكم الله الذي هو عند لسان كل٥ قائل وقلبه، إذا قضى الله ورسوله أمرًا خفي على من قلّدتموه: هل تبقى لكم الخيرةُ بين قبول قوله وردِّه، أم تنقطع خِيرتُكم وتوجبون العمل بما قضاه الله ورسوله عينًا لا يجوز سواه؟ فأعِدُّوا لهذا السؤال جوابًا، وللجواب صوابًا؛ فإن السؤال واقع، والجواب لازم.
(١) رواه البخاري (٦٧٣٦).
(٢) رواه البخاري (٤٢٢٧، ٥٥٢٩) ومسلم (١٩٣٩).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) «قلنا» ليست في د.
(٥) د: «كل لسان».
والمقصود أن هذا هو الذي مَنَعَنا من التقليد، فأين معكم حجة واحدة تقطع العذر تسوِّغ لكم ما ارتضيتموه لأنفسكم من التقليد؟
الوجه الثاني: أن قولكم: «صواب المقلّد في تقليده لمن هو أعلم منه أقربُ من صوابه في اجتهاده» دعوى باطلة؛ فإنه إذا قلّد من قد خالفه غيره ممن هو نظيره أو أعلم منه لم يدْرِ: على صوابٍ هو من تقليده أم على خطأ، بل هو ــ كما قال الشافعي ــ حاطبُ ليلٍ١، إما أن يقع بيده عودٌ أو أفعى تلدغه. وأما إذا بذل اجتهاده في معرفة الحق فإنه بين أمرين: إما أن يظفَر به فله أجران، وإما أن يخطئه فله أجر، فهو مصيب للأجر ولا بدّ، بخلاف المقلّد المتعصب فإنه إن أصاب لم يؤجر، وإن أخطأ لم يسلَمْ من الإثم، فأين صواب الأعمى من صواب البصير الباذل جهده؟
الوجه الثالث: أنه إنما يكون أقربَ إلى الصواب إذا عرف أن الصواب مع من قلَّده دون غيره، وحينئذٍ فلا٢ يكون مقلدًا له، بل متبعًا للحجة. وأما إذا لم يعرف ذلك البتَّةَ فمن أين لكم أنه أقرب إلى الصواب من باذلٍ جهدَه ومستفرغٍ وُسعَه في طلب الحق؟
الوجه الرابع: أن الأقرب إلى الصواب عند تنازع العلماء من امتثل أمر الله فردَّ ما تنازعوا فيه إلى القرآن [٤٨/ب] والسنة، وأما من ردَّ ما تنازعوا فيه إلى قول متبوعه دون غيره فكيف يكون أقربَ إلى الصواب؟
الوجه الخامس: أن المثال الذي مثَّلتم به من أكبر الحجج عليكم؛ فإن من أراد شراء سِلْعة أو سلوكَ طريق حين اختلف عليه اثنان أو أكثر، وكل