وقال الشافعي: أجمع الناس على أن من استبانتْ له سنة عن رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعَها لقول أحدٍ١.
وتواتر عنه أنه قال: إذا صحّ الحديث فاضربوا بقولي الحائطَ٢. وصحّ عنه أنه قال: إذا رويتُ عن رسول الله ﷺ حديثًا ولم آخذ به فاعلموا أن عقلي قد ذهب٣. وصحّ عنه أنه قال: لا قول لأحدٍ مع سنة رسول الله ﷺ٤.
وقال إسرائيل عن أبي إسحاق عن سعد بن إياس عن ابن مسعود أن رجلًا سأله عن رجل تزوّج امرأة فرأى أمها فأعجبته، فطلّق٥ امرأته ليتزوج أمها، فقال: لا بأس. فتزوّجها الرجل، وكان عبد الله على بيت المال؛ فكان يبيع [٥٣/ب] نُفَاية٦ بيت المال يعطي الكثير ويأخذ القليل، حتى قدم المدينة فسأل أصحاب محمد ﷺ، فقالوا: لا تحلُّ لهذا الرجل هذه المرأة، ولا تصلح الفضة إلا وزنًا بوزن، فلما قدم عبد الله انطلق إلى الرجل فلم
(٣) رواه ابن أبي حاتم في «آداب الشافعي ومناقبه» (ص ٥٠)، والبيهقي في «مناقب الشافعي» (١/ ٤٧٣ - ٤٧٤) وفي «المدخل» (٢٥٠)، والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٣٨٩)، وأبو نعيم في «الحلية» (٩/ ١٠٦)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥١/ ٣٨٧ - ٣٨٨).
(٤) رواه البيهقي في «المدخل» بنحوه (٢٤).
(٥) سقط بعدها قدر ورقتين في ع.
(٦) أي ما أُبعد منه لرداءته.
يجده، ووجد قومه فقال: إن الذي أفتيتُ به صاحبكم لا يحل، وأتى الصيارفة فقال: يا معشر الصيارفة إن الذي كنتُ أبايعكم لا يحلّ، لا تحلّ الفضة إلا وزنًا بوزن١.
وفي «صحيح مسلم»٢ من حديث الليث عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار أن أبا هريرة وابن عباس وأبا سلمة تذاكروا المتوفَّى عنها الحامل تضع عند وفاة زوجها، فقال ابن عباس: تعتدّ آخر الأجلين، فقال أبو سلمة: تحلّ حين تضع، فقال أبو هريرة: وأنا مع ابن أخي، فأرسلوا إلى أم سلمة فقالت: قد وضعتْ سُبيعة بعد وفاة زوجها بيسيرٍ، فأمرها رسول الله ﷺ أن تتزوّج.
وقد تقدَّم من ذكر رجوع عمر ﵁ وأبي موسى وابن عباس عن اجتهادهم إلى السنة ما فيه كفاية.
وقال شدّاد بن حكيم عن زفر بن الهذيل: إنما نأخذ بالرأي ما لم يجئ الأثر، فإذا جاء الأثر تركنا الرأي وأخذنا بالأثر٣.
وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة الملقب بإمام الأئمة: لا قولَ لأحدٍ مع رسول الله ﷺ إذا صحّ الخبر عنه٤. وقد كان إمام الأئمة ابن خزيمة رحمه الله تعالى له أصحاب ينتحلون مذهبه، ولم يكن مقلّدًا، بل إمامًا
(١) رواه الفسوي في «المعرفة والتاريخ» (١/ ٤٤١)، ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» (٥/ ٢٨٢)، وإسناده صحيح ورجاله كلهم ثقات.