قال الربيع٣: وقد رُوي عن النبي ﷺ ــ بأبي هو وأمي ــ أنه قضى في بَرْوَع بنت واشق ونكحت بغير مهر، فمات زوجها، فقضى لها بمهر نسائها؛ وقضى لها بالميراث٤، فإن كان ثبت٥ عن النبي ﷺ فهو أولى الأمور بنا، ولا حجة في قول أحدٍ دون النبي ﷺ، ولا في قياسٍ، ولا شيءَ إلا طاعة الله بالتسليم له. وإن كان لا يثبت٦ عن النبي ﷺ لم يكن لأحد أن يُثبِت عنه ما لم يثبت، ولم أحفظه من وجه يثبت مثله، هو مرةً عن معقِل بن يسار، ومرةً عن معقِل بن سنان، ومرةً عن بعض أشجع لا يُسمَّى.
وقال الربيع٧: سألت الشافعي عن رفع الأيدي في الصلاة، فقال: يرفع المصلّي يديه إذا افتتح الصلاة حذوَ منكبيه، وإذا أراد أن [٥٦/أ] يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك، ولا يفعل ذلك في السجود. قلت له:
(١) في ت، د: «لا يدخله». والتصويب من مصدر التخريج.
(٤) رواه النسائي (٣٣٥٤)، والترمذي (١١٤٥) وصححه من طريق منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود. ورواه أبو داود (٢١١٤)، وابن ماجه (١٨٩١)، وصححه ابن حبان (٤٠٩٨)، والحاكم (٢/ ١٨٠)، والبيهقي (٧/ ٢٤٤) من طريق الشعبي عن مسروق عن عبد الله بن مسعود ﵁. وانظر: «تنقيح التحقيق» (٤/ ٣٨٣) و«نصب الراية» (٣/ ٢٠١).
(٥) ت: «كانت تثبت».
(٦) ت: «كانت لا تثبت».
(٧) كما في «الأم» (٨/ ٧١٠، ٧١١).
فما الحجة في ذلك؟ فقال: أنبأنا ابن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي ﷺ مثل قولنا١.
قال الربيع٢: فقلت: فإنا نقول: يرفع في الابتداء ثم لا يعود، قال الشافعي: أنا مالك عن نافع أن ابن عمر كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك٣.
قال الشافعي٤: وهو ــ يعني مالكًا ــ يروي عن النبي ﷺ أنه كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك. ثم خالفتم رسول الله ﷺ وابن عمر، فقلتم: لا يرفع يديه إلا في ابتداء الصلاة. وقد رويتم عنهما أنهما رفعاها في الابتداء وعند الرفع من الركوع. أفيجوز لعالمٍ أن يترك فعل النبي ﷺ وابن عمر لرأي نفسه أو فعْلَ النبي ﷺ لرأي ابن عمر، ثم القياس على قول ابن عمر، ثم يأتي موضع آخر يصيب فيه فيترك على ابن عمر ما روى عن النبي ﷺ؟ فكيف لم ينْهَه بعضُ هذا عن بعض؟ أرأيتَ إذا جاز له أن يروي عن النبي ﷺ أن يرفع يديه في مرتين أو ثلاثًا وعن ابن عمر فيه اثنتين أنأخذ بواحدة ونترك٥ واحدة؟ أيجوز لغيره تركُ الذي أخذ به وأخذُ الذي ترك؟ أو يجوز لغيره ترك ما روي عن النبي ﷺ؟
(١) رواه البخاري (٧٣٥) ومسلم (٣٩٠).
(٢) الكلام متصل بما قبله.
(٣) رواه مالك في «الموطأ» (١/ ٧٧)، ومن طريقه أبو داود (٧٤٢).