فقلت له١: فإن صاحبنا قال: فما معنى الرفع؟ قال: معناه تعظيم لله واتباع لسنة النبي ﷺ، ومعنى الرفع في الأولى معنى الرفع الذي خالفتم فيه النبي ﷺ عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع، ثم خالفتم فيه روايتكم عن النبي ﷺ وابن عمر معًا، ويروي ذلك عن النبي ﷺ ثلاثة عشر رجلًا أو أربعة عشر رجلًا، ورُوي عن [٥٦/ب] أصحاب النبي ﷺ من غير وجه٢، ومن تركه فقد ترك السنة٣.
قلت: وهذا تصريح من الشافعي بأن تارك رفع اليدين عند الركوع والرفع منه تارك للسنة، ونصَّ أحمد على ذلك أيضًا في إحدى الروايتين عنه.
وقال الربيع٤: سألت الشافعي عن الطيب قبل الإحرام بما يبقى ريحه بعد الإحرام وبعد رمي الجمرة والحلاق وقبل الإفاضة؛ فقال: جائز، وأحبُّه، ولا أكرهه؛ لثبوت السنةِ فيه عن النبي ﷺ، والأخبارِ عن غير واحد من الصحابة. فقلت: وما حجتك فيه؟ فذكر الأخبار فيه والآثار.
ثم قال٥: أنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن سالم قال: قال عمر
(١) الكلام متصل بما قبله.
(٢) بلغ بهم المؤلف في «زاد المعاد» (١/ ٢١١) إلى ثلاثين نفسًا، وفي «رفع اليدين في الصلاة» (٧ - ٣٨) إلى ثمانية وثلاثين صحابيًّا، والكتاني في «نظم المتناثر» (ص ٨٥) إلى ثلاثة وعشرين صحابيًّا. وصنف البخاري جزءًا مفردًا في رفع اليدين.
(٣) انتهى النقل من كتاب «الأم».
(٤) في «الأم» (٨/ ٥٨٨). ونقله البيهقي في «مناقب الشافعي» (١/ ٤٨٤).
(٥) المصدر نفسه (٨/ ٥٩٠).
﵁: من رمى الجمرة فقد حلّ له ما حرم عليه إلا النساء والطيب١. قال سالم: وقالت عائشة: طيَّبتُ رسول الله ﷺ بيدي. وسنة رسول الله ﷺ أحقُّ أن تُتبع٢.
قال الشافعي٣: وهكذا ينبغي أن يكون الصالحون وأهل العلم، فأما ما تذهبون إليه من ترْكِ السنة وغيرها٤ وترْكِ ذلك الغير لرأي أنفسكم٥ فالعلم إذًا إليكم، تأتون منه ما شئتم وتدَعون ما شئتم.
وقال في الكتاب القديم٦ رواية الزعفراني في مسألة بيع المدبّر في جواب من قال له: إن بعض أصحابك قد قال خلاف هذا، قال الشافعي: فقلت له: من تبع سنة رسول الله ﷺ وافقتُه، ومن غلطَ فتركَها خالفتُه، صاحبي الذي لا أفارِق اللازمُ الثابت مع رسول الله ﷺ وإن بعُد، والذي أفارق من لم يقل بحديث رسول الله ﷺ وإن قرُب.
وقال في خطبة كتابه «إبطال الاستحسان»٧: الحمد لله على جميع نعمه بما هو أهله وكما ينبغي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، [٥٧/أ] وأن محمدًا عبده ورسوله، بعثه بكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ٤١٠)، والشافعي في «الأم» (٣/ ٣٧٦).