فهذه أنواع١ من الأدلة السمعية المحكمة إذا بُسِطَتْ أفرادها كانت ألفَ دليل على علو الرب على خلقه واستوائه على عرشه؛ فترك الجهميةُ ذلك كله وردُّوه بالمتشابه من قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾[الحديد: ٤]، وردَّه زعيمهم المستأخر٢ بقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾[الإخلاص: ١]، وبقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾[الشورى: ١١].
ثم ردُّوا تلك الأنواع كلها متشابهة، فسلَّطوا المتشابه على المحكم وردُّوه به، ثم ردُّوا المحكم متشابهًا؛ فتارةً يحتجون به على الباطل، وتارة يدفعون به الحق. ومن له أدنى بصيرة يعلم أنه لا شيء في النصوص أظهرُ ولا أبينُ مرادًا من مضمون هذه النصوص؛ فإذا كانت متشابهةً فالشريعة كلها متشابهة، وليس فيها شيء محكم البتةَ، ولازمُ هذا القول لزومًا لا محيدَ عنه أنّ ترْكَ الناس بدونها خير لهم من إنزالها إليهم، فإنها أوهمتْهم وأفهمتْهم غير المراد، وأوقعتْهم في اعتقاد الباطل، ولم يُبيَّنْ لهم ما هو الحق في نفسه، بل أُحيلوا فيه على ما يستخرجونه بعقولهم وأفكارهم ومقاييسهم، فنسأل مثبِّتَ القلوب ﵎ أن يثبِّت قلوبنا على دينه وما بعث به رسوله من الهدى ودين الحق، وأن لا يُزِيغ قلوبنا بعد إذ هدانا؛ إنه قريب مجيب.
المثال الثالث عشر: ردُّ الرافضة النصوصَ الصحيحة الصريحة المحكمة المعلومة عند خاصِّ الأمة٣ وعامتها بالضرورة في مدح
كما ردُّوا المحكم الصريح من أفعالهم وإيمانهم وطاعتهم بالمتشابه من أفعالهم، كفعل إخوانهم من الخوارج حين ردُّوا النصوص الصحيحة٤ المحكمة في موالاة المؤمنين ومحبتهم وإن ارتكبوا بعض الذنوب، التي تقع مكفَّرةً بالتوبة النصوح، والاستغفار، والحسنات الماحية، والمصائب المكفِّرة، ودعاء المسلمين لهم في حياتهم وبعد موتهم، وبالامتحان في البرزخ وفي موقف القيامة٥، وبشفاعة من يأذن الله له في الشفاعة٦، وبصدق التوحيد، وبرحمة أرحم الراحمين؛ فهذه عشرة أسباب تمحو أثر الذنوب، فإن عجزت هذه الأسباب عنها فلا بدَّ من دخول النار، ثم يخرجون منها. فتركوا٧ ذلك كلَّه بالمتشابه من نصوص الوعيد، وردُّوا المحكم من أفعالهم وإيمانهم وطاعتهم بالمتشابه من أفعالهم التي يحتمل أن يكونوا
(١) د: «ورضاه».
(٢) ع: «ومجاوزته».
(٣) رواه البخاري (٤٤٠٣) ومسلم (٦٦) من حديث ابن عمر ﵄.