الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إنما يفهم المخاطب منه غسل الوجه وما بعده لأجل الصلاة، كما يفهم من قوله: إذا واجهتَ١ الأمير فترجَّلْ، وإذا دخل الشتاء فاشترِ٢ الفروَ ونحو ذلك؛ فإن لم يكن القرآن قد دلَّ على النية ودلت عليها السنة لم يكن وجوبها ناسخًا للقرآن وإن كان زائدًا عليه.
ولو كان كلُّ ما أوجبته السنة ولم يوجبه القرآن نسخًا له لبطلت أكثر٣ سنن رسول الله ﷺ[٦٧/أ] ودُفِعَ في صدورها وأعجازها، وقال القائل: هذه زيادة على ما في كتاب الله فلا تُقبل ولا يُعمل بها، وهذا بعينه هو الذي أخبر رسول الله ﷺ أنه سيقع وحذَّر منه، كما في «السنن» من حديث المقدام بن معدي كرب عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا إني أوتيتُ القرآنَ ومثله معه، ألا إني أوتيتُ القرآن ومثله معه٤، ألا يوشك رجلٌ شَبْعانُ على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، ما وجدتم فيه من حلالٍ فأحلُّوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرِّموه، ألا لا يحلُّ لكم الحمار الأهلي، ولا كلّ ذي نابٍ من السباع، ولا لُقطة مال معاهدٍ»٥. وفي لفظ: «يوشك أن يقعد الرجل منكم٦ على
(١) ت: «وجهت».
(٢) د: «فاشتروا».
(٣) «أكثر» ليست في ع.
(٤) تكررت هذه الجملة في ع ثلاث مرات.
(٥) رواه أبو داود (٤٦٠٤) وأحمد (١٧١٧٤) والدارقطني (٤٧٦٨) من طريق حريز بن عبد الرحمن بن أبي عوف عن المقدام. ورواه ابن حبان وصححه (١٢) من طريق مروان بن رؤبة عن أبي عوف عن المقدام. وانظر: «السلسلة الصحيحة» (٢٨٧٠).
(٦) ع: «بينكم».
أريكته، فيحدَّث بحديثي فيقول: بيني وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالًا استحللناه، وما وجدنا فيه حرامًا حرّمناه، وإنَّ ما حرَّم رسول الله ﷺ كما حرّم الله»١. قال الترمذي: حديث حسن، وقال البيهقي: إسناده صحيح.
وقال صالح بن موسى عن عبد العزيز بن رُفَيع عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إني قد خلَّفتُ فيكم شيئين لن تضِلُّوا بعدهما: كتاب الله وسنتي، ولن يفترقا حتى يرِدا عليَّ الحوضَ»٢. فلا يجوز التفريق بين ما جمع الله بينهما ويردّ أحدهما بالآخر، بل سكوته عما نطق به، ولا يُمكن أحدًا يطرد ذلك ولا الذين أصَّلوا هذا الأصل، بل قد نقضوه في أكثر من ثلاثمائة موضع، منها ما هو مُجمع عليه ومنها ما هو مختلف فيه.
والسنة مع القرآن على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون موافقةً له من كل وجه؛ فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتظافرها.
الثاني: أن تكون بيانًا لما أريد بالقرآن وتفسيرًا له.
(١) رواه الترمذي وحسنه (٢٦٦٤) وابن ماجه (١٢) وأحمد (١٧١٩٤) والبيهقي (٧/ ٧٦). قال ابن الملقن في «البدر المنير» (١/ ٢٥٦): «حديث صحيح من غير شك ولا مرية».
(٢) رواه البزار (٨٩٩٣) والدارقطني (٤٦٠٦) والحاكم (١/ ٩٣) والبيهقي (١٠/ ١١٤). وصالح بن موسى الطلحي متكلم فيه، وبه أعله الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ١٦٣).