أريكته، فيحدَّث بحديثي فيقول: بيني وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالًا استحللناه، وما وجدنا فيه حرامًا حرّمناه، وإنَّ ما حرَّم رسول الله ﷺ كما حرّم الله»١. قال الترمذي: حديث حسن، وقال البيهقي: إسناده صحيح.
وقال صالح بن موسى عن عبد العزيز بن رُفَيع عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إني قد خلَّفتُ فيكم شيئين لن تضِلُّوا بعدهما: كتاب الله وسنتي، ولن يفترقا حتى يرِدا عليَّ الحوضَ»٢. فلا يجوز التفريق بين ما جمع الله بينهما ويردّ أحدهما بالآخر، بل سكوته عما نطق به، ولا يُمكن أحدًا يطرد ذلك ولا الذين أصَّلوا هذا الأصل، بل قد نقضوه في أكثر من ثلاثمائة موضع، منها ما هو مُجمع عليه ومنها ما هو مختلف فيه.
والسنة مع القرآن على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون موافقةً له من كل وجه؛ فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتظافرها.
الثاني: أن تكون بيانًا لما أريد بالقرآن وتفسيرًا له.
(١) رواه الترمذي وحسنه (٢٦٦٤) وابن ماجه (١٢) وأحمد (١٧١٩٤) والبيهقي (٧/ ٧٦). قال ابن الملقن في «البدر المنير» (١/ ٢٥٦): «حديث صحيح من غير شك ولا مرية».
(٢) رواه البزار (٨٩٩٣) والدارقطني (٤٦٠٦) والحاكم (١/ ٩٣) والبيهقي (١٠/ ١١٤). وصالح بن موسى الطلحي متكلم فيه، وبه أعله الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ١٦٣).
الثالث: أن تكون موجبةً لحكم سكت القرآن عن إيجابه، أو محرِّمةً لما سكت عن تحريمه.
ولا تخرج عن هذه [٦٧/ب] الأقسام، فلا تُعارِض القرآنَ بوجهٍ ما، فما كان منها زائدًا على القرآن فهو تشريع مبتدأ من النبي ﷺ، تجب طاعته فيه، ولا تحلُّ معصيته، وليس هذا تقديمًا لها على كتاب الله، بل امتثال لما أمر الله به١ في طاعة رسوله، ولو كان رسول الله ﷺ لا يُطاع في هذا القسم لم يكن لطاعته معنى، وسقطت طاعته المختصة به، وإنه إذا لم تجب طاعته إلا فيما وافق القرآنَ لا فيما زاد عليه لم يكن له طاعة خاصة تختصُّ به، وقد قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾[النساء: ٨٠].
وكيف يُمكن أحدًا من أهل العلم أن٢ لا يقبل حديثًا زائدًا على كتاب الله؛ فلا يقبل حديث تحريم المرأة على عمتها ولا على خالتها٣، ولا حديث التحريم بالرضاعة لكل ما يحرم من النسب٤، ولا حديث خيار الشرط٥، ولا أحاديث الشفعة٦، ولا حديث الرهن في الحضر٧ مع أنه
(١) «به» ليست في ت، ع.
(٢) «أن» ليست في ت.
(٣) رواه البخاري (٥١٠٩) ومسلم (١٤٠٨) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) رواه البخاري (٢٦٤٥) ومسلم (١٤٤٧) من حديث ابن عباس ﵄.
(٥) رواه البخاري (٢١٠٧) ومسلم (١٥٣١) من حديث ابن عمر ﵄.
(٦) تقدم تخريجها.
(٧) كحديث عائشة ﵂ وهو مخرج عند البخاري (٢٠٦٨) ومسلم (١٦٠٣).