يوضّحه الوجه الثالث: أن الله سبحانه أمرنا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحجّ البيت وصوم رمضان، وجاء البيان عن رسول الله ﷺ بمقادير ذلك وصفاته وشروطه؛ فوجب على الأمة قبولُه، إذ هو تفصيل لما أمر الله به، كما يجب عليها قبول الأصل المُفصَّل، وهكذا أمر الله١ سبحانه بطاعته وطاعة رسوله؛ فإذا أمر الرسول بأمرٍ كان تفصيلًا وبيانًا للطاعة المأمور بها، وكان فرضُ قبولِه كفرض قبول الأصل المُفصَّل، ولا فرق بينهما.
يوضّحه الوجه الرابع: أن البيان من النبي ﷺ أقسام:
أحدها: بيان نفس الوحي بظهوره على لسانه بعد أن كان خفيًّا.
الثاني: بيان معناه وتفسيره لمن احتاج إلى ذلك، كما بيَّن أن الظلم المذكور في قوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾[الأنعام: ٨٢] هو الشرك٢، وأن الحساب اليسير هو العرض٣، وأن الخيط الأبيض والأسود هما بياض النهار وسواد الليل٤، وأن الذي رآه نزلةً أخرى عند سدرة المنتهى هو جبريل٥، وكما فسَّر قوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾[الأنعام: ١٥٨] أنه طلوع الشمس من مغربها٦، وكما فسر قوله: ﴿مَثَلًا٧ كَلِمَةً طَيِّبَةً
(١) لفظ الجلالة ليس في ت، ع.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) رواه البخاري (١٠٣) ومسلم (٢٨٧٦) من حديث عائشة ﵂.
(٤) تقدم تخريجه.
(٥) رواه مسلم (١٧٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٦) رواه البخاري (٤٦٣٥) ومسلم (١٥٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٧) في النسخ: «ومثل» سهوًا.
كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤] بأنها١ النخلة٢، وكما فسَّر قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾[إبراهيم: ٢٧] أن ذلك في القبر حين يُسأل مَن ربك وما دينك٣، وكما فسَّر الرعد بأنه مَلَك من الملائكة موكَّل بالسحاب٤،
وكما فسَّر اتخاذ أهل الكتاب أحبارهم ورهبانهم أربابًا، وذلك استحلال ما أحلُّوه لهم من الحرام وتحريم ما حرَّموه عليهم من الحلال٥، وكما فسَّر القوة التي أمر الله أن نُعِدَّها لأعدائه بالرمي٦، وكما فسَّر قوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾[النساء: ١٢٣] بأنه ما يُجزى به٧ العبد في الدنيا من النَّصَب والهمّ والخوف واللأواء٨،
(١) ت: «أنها».
(٢) رواه الترمذي (٣١١٩)، وصححه ابن حبان (٤٧٥) والحاكم (٢/ ٣٥٢) والضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (٢٢٠٧) من حديث أنس ﵁، وقد اختلف في رفعه ووقفه، ورجح الوقف على الرفع الترمذي (٣١١٩) والضياء المقدسي (٢٢٠٧).
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) رواه الترمذي وحسنه (٣١١٧) وأحمد (٢٤٨٣) من حديث ابن عباس ﵄، والحديث في إسناده بكير بن شهاب ذكره ابن حبان في «الثقات» (٦/ ١٠٦). وتفسير الرعد بالملك الموكل بالسحاب ثابت. انظر: «مسند أحمد» ط الرسالة (٤/ ٢٨٥) ..