تعارضَ بينهما ولا تناقضَ بوجه؛ فلا يسوغ١ لنا إلغاء ما اعتبره الله ورسوله، كما لا يسوغ لنا اعتبار ما ألغاه، وبالله التوفيق.
الوجه الثالث والعشرون: أنه إن كان القضاء بالشاهد واليمين ناسخًا للقرآن، وإثبات التغريب ناسخًا للقرآن، فالوضوء بالنبيذ أيضًا٢ ناسخ للقرآن، ولا فرقَ بينهما البتةَ، بل القضاء بالنكول ومعاقد القِمْط يكون ناسخًا للقرآن، وحينئذٍ فنسخُ كتاب الله بالسنة الصحيحة الصريحة التي لا مطعنَ فيها أولى من نسخه بالرأي والقياس والحديث الذي لا يثبت، وإن لم يكن نسخًا للقرآن لم يكن هذا نسخًا له، وأما أن يكون هذا نسخًا وذاك ليس بنسخ فتحكُّمٌ باطل وتفريق بين متماثلين.
الوجه الرابع والعشرون: [٧٥/أ] أن ما خالفتموه من الأحاديث التي زعمتم أنها زيادة على نصّ القرآن إن كانت تستلزم نسخَه فقطعُ رِجل السارق في المرة الثانية نسخ؛ لأنه زيادة على القرآن، وإن لم يكن هذا نسخًا فليس ذلك نسخًا.
الوجه الخامس والعشرون: أنكم قلتم لا يكون المهر أقلَّ من عشرة دراهم، وذلك زيادة على ما في القرآن٣؛ فإن الله سبحانه أباح استحلال البُضْع بكل ما يسمَّى مالًا، وذلك يتناول القليل والكثير، فزدتم على القرآن بقياسٍ في غاية الضعف، وبخبرٍ في غاية البطلان؛ فإن جاز نسخ القرآن بذلك فلم لا يجوز نسخه بالسنة الصحيحة الصريحة؟ وإن كان هذا ليس بنسخ لم يكن الآخر نسخًا.
(١) ت: «يجوز».
(٢) ت: «أيضا بالنبيذ».
(٣) «على ما في القرآن» ساقطة من ع.
الوجه السادس والعشرون: أنكم أوجبتم الطهارة للطواف بقوله: «الطواف بالبيت صلاة»١، وذلك زيادة على القرآن؛ فإن الله إنما أمر بالطواف ولم يأمر بالطهارة، فكيف لم تجعلوا ذلك نسخًا للقرآن وجعلتم القضاء بالشاهد واليمين والتغريب في حدّ الزنا نسخًا للقرآن؟
الوجه السابع والعشرون: أنكم مع الناس٢ أوجبتم الاستبراء في جواز وطء المَسْبيَّة بحديثٍ ورد زائدٍ على كتاب الله، ولم تجعلوا ذلك نسخًا له، وهو الصواب بلا شك، فهلّا فعلتم ذلك في سائر الأحاديث الزائدة على القرآن؟
الوجه الثامن والعشرون: أنكم وافقتم على تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها بخبر الواحد، وهو زائد على كتاب الله٣ قطعًا، ولم يكن ذلك٤ نسخًا، فهلّا فعلتم ذلك في خبر القضاء بالشاهد واليمين والتغريب٥ ولم تعدُّوه نسخًا؟ وكلّ ما تقولونه في محل الوفاق يقوله لكم منازعوكم في محلّ النزاع حرفًا بحرفٍ.
(١) رواه الترمذي (٩٦٠) والدارمي (١٨٨٩)، وصححه ابن خزيمة (٢٧٣٩) وابن حبان (٣٨٣٦) والحاكم (١/ ٤٥٩) من حديث ابن عباس، واختلف في رفعه ووقفه، ورجح رفعَه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، ورجح النسائي والبيهقي الوقف. انظر: «التلخيص الحبير» (١/ ٢٢٥) و«الإرواء» (١/ ١٥٤).