بالآخر محضَ القياس لو لم تأتِ به سنة، وحتى لو لم يكن ربًا ولا القياس يقتضيه لكان أصلًا قائمًا بنفسه، يجب التسليم والانقياد له كما يجب التسليم لسائر نصوصه المحكمة١. ومن العجب ردُّ هذه السنة بدعوى أنها مخالفة للقياس والأصول، وتحريم بيع الكُسْب٢ بالسِّمْسِم ودعوى أن ذلك موافق للأصول، فكلُّ أحدٍ يعلم أن جريان الربا بين التمر والرطب أقربُ إلى الربا نصًّا وقياسًا ومعقولًا من جريانه بين الكُسْب والسمسم.
المثال الرابع والعشرون: ردُّ المحكم الصريح الصحيح من السنة بالإقراع بين الأعبد الستة الموصى بعتقهم٣، وقالوا: هو خلاف الأصول، بالمتشابه من رأيٍ فاسد وقياس باطل، بأنهم إما أن يكون كلُّ واحد منهم قد استحقَّ العتق فلا يجوز نقله عنه إلى غيره، أو لم يستحقَّه فلا يجوز أن يُعتق منهم أحد، وهذا الرأي الباطل كما أنه في مصادمة السنة فهو فاسد في نفسه؛ فإن العتق إنما استحقّ في ثلث ماله ليس إلّا، والقياس والأصول تقتضي جمع الثلث في محل واحد. كما إذا أوصى بثلاثة دراهم وهي كل ماله، فلم يجز الورثة، فإنا ندفع إلى الموصى له درهمًا ولا نجعله شريكًا بثلث كل درهم، ونظائر ذلك؛ فهذا المعتق لعبيده٤ كأنه أوصى٥ بعتق ثلثهم؛ إذ هذا هو الذي يملكه، وفيه صحت الوصية؛ فالحكم بجمع الثلث في اثنين
(١) ع: «للحكمة».
(٢) عُصارة الدهن.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) ع: «لعبده».
(٥) «أوصى» ساقطة من ع.
منهم١ أحسنُ عقلًا وشرعًا وفطرةً من جعْلِ الثلث شائعًا في كل واحدٍ واحدٍ منهم، فحكم رسول الله [٨١/ب]ﷺ في هذه المسألة خير من حكم غيره بالرأي المحض.
المثال الخامس والعشرون: ردُّ السنة الصريحة المحكمة في تحريم الرجوع في الهبة إلا للوالد٢، برأي متشابه فاسد اقتضى عكسَ السنة، وأنه يجوز الرجوع في الهبة لكل أحد إلا لوالد أو لذي رحم مَحْرم أو لزوج أو زوجة أو٣ يكون الواهب قد أثيب منها، ففي هذه المواضع الأربعة يمتنع٤ الرجوع، وفرَّقوا بين الأجنبي والرحم بأن هبة القريب صلة ولا يجوز قطعها، وهبة الأجنبي تبرُّعٌ وله أن يُمضِيه وأن لا يُمضِيه، وهذا مع كونه مصادمًا للسنة مصادمةً محضة فهو فاسد؛ لأن الموهوب له حين قبض العين الموهوبة دخلت في مِلْكه، وجاز له٥ التصرُّف فيها؛ فرجوع الواهب فيها انتزاع لملكه٦ منه بغير رضاه، وهذا باطل شرعًا وعقلًا، وأما الوالد فولده جزء منه، وهو وماله لأبيه، وبينهما من البعضية ما يوجب شدة الاتصال، بخلاف الأجنبي.
(١) ت: «منهما».
(٢) رواه أبو داود (٣٥٣٩) والترمذي وصححه (١٢٩٩) وابن ماجه (٢٣٧٧) وأحمد (٢١١٩)، وصححه ابن حبان (٥١٢٣) والحاكم (٢/ ٤٦) من حديث ابن عباس وابن عمر ﵃.