فإن قيل: لم نخالفه إلا بنص محكم صريح صحيح، وهو حديث سالم عن أبيه عن النبي ﷺ: «من وَهَبَ هبةً فهو أحقُّ بها ما لم يُثَبْ منها»١، قال البيهقي٢: قال لنا أبو عبد الله ــ يعني الحاكم ــ: هذا حديث صحيح، إلا أن يكون الحمل فيه على شيخنا. يريد أحمد بن إسحاق بن محمد بن خالد الهاشمي. ورواه الحاكم٣ من حديث عمرو بن دينار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «الواهبُ أحقُّ بهبته ما لم يُثَبْ»، وفي كتاب الدارقطني٤ من حديث حماد بن سلمة عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ قال: «إذا كانت الهبةُ لذي رحم مَحْرمٍ لم يرجع فيها». وفي «الغَيلانيات»٥: ثنا محمد بن إبراهيم بن أبي [٨١ مكرر/أ] يحيى٦ عن محمد بن عبيد الله عن عطاء عن ابن عباس عن النبي ﷺ: «من وَهَب هبةً فارتجعَ بها فهو أحقُّ بها ما لم يُثَبْ منها، ولكنه كالكلب يعود في قيئه»٧.
فالجواب: أن هذه الأحاديث لا تثبت، ولو ثبتت لم تَحلَّ مخالفتها،
(٢) لم أقف عليه في كتبه، وهو في «المستدرك» (٢/ ٥٢).
(٣) لم أجده في «المستدرك» ولكن أخرجه البيهقي في «الكبرى» (٦/ ١٨١) من طريقه.
(٤) «سنن الدارقطني» (٢٩٧٣)، وأخرجه أيضًا البيهقي (٦/ ١٨١).
(٥) لم أجده في «الغيلانيات». والراوي عن ابن أبي يحيى: يحيى بن غيلان عند الدارقطني، وهو غير صاحب «الغيلانيات».
(٦) كذا في النسخ: «محمد بن إبراهيم بن أبي يحيى»، والصواب حذف «محمد بن».
(٧) رواه الدارقطني (٢٩٧٥)، وفي إسناده إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي متكلم فيه، وبه أعلَّه ابن عبد الهادي وضعّفه في «التنقيح» (٤/ ٢٢٧).
ووجب العمل بها وبحديث «لا يَحلُّ لواهبٍ أن يرجع في هبته»١، ولا يبطل أحدهما بالآخر، ويكون الواهب الذي لا يحلّ له الرجوع: مَن وهب تبرُّعًا محضًا لا لأجل العوض، والواهب الذي له الرجوعُ: مَن وهب ليتعوَّض من هبته ويُثاب منها، فلم يفعل المتّهب، ونَستعمل سنن رسول الله ﷺ كلها، ولا نَضرِب بعضها ببعض.
أما حديث ابن عمر، فقال الدارقطني: لا يثبت مرفوعًا، والصواب عن ابن عمر عن عمر قوله٢. وقال البيهقي٣: ورواه علي بن سهل بن المغيرة عن عبيد الله بن موسى ثنا حنظلة بن أبي سفيان قال: سمعت سالم بن عبد الله، فذكره٤، وهو غير محفوظ بهذا الإسناد، وإنما يروى عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمّع، وإبراهيم ضعيف. انتهى. وقال الدارقطني: غلط فيه علي بن سهل٥. انتهى.
وإبراهيم بن إسماعيل هذا قال أبو نعيم: لا يساوي حديثه فلْسَين. وقال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به. وقال يحيى بن معين: إبراهيم بن إسماعيل المكي٦ ليس بشيء٧. قال البيهقي: والمحفوظ عن عمرو بن دينار عن