أعظم من الظن المستفاد بمجرد النكول، بل وبالشاهدين، فوصفُه بينةٌ ظاهرة على صحة دعواه، لا سيما ولم يعارضه معارض؛ فلا يجوز إلغاء دليل صدقه مع عدم معارضٍ أقوى منه؛ فهذا خلاف الأصول حقًّا١ لا موجب السنة.
المثال الثلاثون: ردُّ السنة الثابتة المحكمة الصريحة في صحة صلاة من تكلم فيها جاهلًا أو ناسيًا٢، بأنها خلاف الأصول، ثم قالوا: من أكل في رمضان أو شرب ناسيًا٣ صحّ صومه٤، مع اعترافهم بأن ذلك على٥ خلاف الأصول والقياس، ولكن تبعنا فيه السنة، فما الذي منعكم بتقديم٦ السنة الأخرى على القياس والأصول كما قدَّمتم خبر القهقهة في الصلاة والوضوء بنبيذ التمر وآثار الآبار٧ على القياس والأصول؟
المثال الحادي والثلاثون: ردُّ السنة الثابتة المحكمة في اشتراط البائع منفعةَ المبيع مدةً معلومةً٨ بأنها خلاف الأصول، ثم قالوا: يجوز بيع الثمرة قبل بدوِّ صلاحها بشرط القطع في الحال، مع العلم بأنها لو قُطعت لم تكن مالًا ينتفع به ولا يساوي شيئا البتةَ، ثم لهما أن يتفقا على بقائها٩ إلى حين
(١) ع: «مقالا».
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) «ناسيًا» ليست في ت.
(٤) تقدم تخريجه.
(٥) «على» ليست في ع.
(٦) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «من تقديم».
(٧) تقدم تخريجها كلها.
(٨) تقدم تخريجه.
(٩) ت: «إبقائها».
الكمال، ودعوى أن ذلك موافق للأصول، وهو عين ما نهى عنه النبي ﷺ١.
المثال الثاني والثلاثون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في تخيير النبي ﷺ الولد بين أبويه٢، وقالوا: هو خلاف الأصول، ثم قالوا: إذا زوَّج الوليُّ ــ غير الأب ــ الصغيرةَ صح وكان النكاح لازمًا، فإذا بلغت انقلب جائزًا وثبت لها الخيار بين الفسخ والإمضاء، وهذا وَفْق الأصول، فيا لله العجب! أين في الأصول التي هي كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة المستند٣ إلى الكتاب والسنة موافقةُ هذا الحكم للأصول ومخالفة [٨٧/ب] حكم رسول الله ﷺ بالتخيير بين الأبوين للأصول؟
المثال الثالث والثلاثون: ردُّ السنة الثابتة الصحيحة الصريحة المحكمة في رجم الزانيين الكتابيين٤، بأنها خلاف الأصول، وسقوط الحد عمن عقد على أُمِّه ووطئها، وأن هذا هو مقتضى الأصول. فيا عجبًا لهذه الأصول التي منعت الحدَّ على من أقامه رسول الله ﷺ عليه وأسقطَتْه عمن لم يُسقِطه عنه! فإنه ثبت عنه أنه أرسل البراء بن عازب إلى رجل تزوَّج امرأة أبيه أن يضرب عنقه ويأخذ ماله٥،
(١) تقدم تخريجه.
(٢) رواه أبو داود (٢٢٧٧) والنسائي (٣٤٩٦) والترمذي (١٣٥٧) وصححه وابن ماجه (٢٣٥١)، وصححه الحاكم (٤/ ٩٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) ع: «مستند».
(٤) رواه البخاري (٣٦٣٥) ومسلم (١٦٩٩) من حديث ابن عمر ﵄.
(٥) رواه أبو داود (٤٤٥٧) والنسائي (٣٣٣٢) والترمذي وحسَّنه (١٣٦٢)، وابن ماجه (٢٦٠٧) وأحمد (١٨٥٧٨)، وصححه ابن حبان (٤١١٢) والحاكم (٢/ ١٩١).