الكمال، ودعوى أن ذلك موافق للأصول، وهو عين ما نهى عنه النبي ﷺ١.
المثال الثاني والثلاثون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في تخيير النبي ﷺ الولد بين أبويه٢، وقالوا: هو خلاف الأصول، ثم قالوا: إذا زوَّج الوليُّ ــ غير الأب ــ الصغيرةَ صح وكان النكاح لازمًا، فإذا بلغت انقلب جائزًا وثبت لها الخيار بين الفسخ والإمضاء، وهذا وَفْق الأصول، فيا لله العجب! أين في الأصول التي هي كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة المستند٣ إلى الكتاب والسنة موافقةُ هذا الحكم للأصول ومخالفة [٨٧/ب] حكم رسول الله ﷺ بالتخيير بين الأبوين للأصول؟
المثال الثالث والثلاثون: ردُّ السنة الثابتة الصحيحة الصريحة المحكمة في رجم الزانيين الكتابيين٤، بأنها خلاف الأصول، وسقوط الحد عمن عقد على أُمِّه ووطئها، وأن هذا هو مقتضى الأصول. فيا عجبًا لهذه الأصول التي منعت الحدَّ على من أقامه رسول الله ﷺ عليه وأسقطَتْه عمن لم يُسقِطه عنه! فإنه ثبت عنه أنه أرسل البراء بن عازب إلى رجل تزوَّج امرأة أبيه أن يضرب عنقه ويأخذ ماله٥،
(١) تقدم تخريجه.
(٢) رواه أبو داود (٢٢٧٧) والنسائي (٣٤٩٦) والترمذي (١٣٥٧) وصححه وابن ماجه (٢٣٥١)، وصححه الحاكم (٤/ ٩٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) ع: «مستند».
(٤) رواه البخاري (٣٦٣٥) ومسلم (١٦٩٩) من حديث ابن عمر ﵄.
(٥) رواه أبو داود (٤٤٥٧) والنسائي (٣٣٣٢) والترمذي وحسَّنه (١٣٦٢)، وابن ماجه (٢٦٠٧) وأحمد (١٨٥٧٨)، وصححه ابن حبان (٤١١٢) والحاكم (٢/ ١٩١).
فوالله ما رضي له بحد الزاني١ حتى حكم عليه بضرب العنق وأخذ المال، وهذا هو الحق المحض؛ فإن جريمته أعظم من جريمة من زنى بامرأة أبيه من غير عقدٍ، فإن هذا ارتكب محظورًا واحدًا، والعاقد عليها ضمَّ إلى جريمة الوطء جريمة العقد الذي حرّمه الله، فانتهك حرمة شرعه بالعقد، وحرمة أُمِّه بالوطء، ثم يقال: الأصول تقتضي سقوط الحدّ عنه! وكذلك حُكْم النبي ﷺ برجم اليهوديين هو من أعظم الأصول، فكيف رُدَّ هذا الأصل العظيم بالرأي الفاسد ويقال: إنه مقتضى الأصول؟!
فإن قيل: إنما حكم رسول الله ﷺ بالرجم بما في التوراة إلزامًا لهما بما اعتقدا صحته.
قيل: هَبْ أن الأمر كذلك، أفحكمَ بحقٍّ يجب اتباعه وموافقته وتحرم مخالفته أم بغير ذلك؟ فاختاروا أحد الجوابين ثم اذهبوا إلى ما شئتم.
المثال الرابع والثلاثون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في وجوب الوفاء بالشروط في النكاح٢، وأنها أحقُّ الشروط بالوفاء على الإطلاق، بأنها خلاف الأصول، والأخذ بحديث النهي عن بيع وشرط٣[٨٨/أ] الذي لا يُعلم له إسناد يصح، مع مخالفته للسنة الصحيحة والقياس
(١) ت: «ما أرضى له بحد الزنا».
(٢) رواه البخاري (٥١٥١) من حديث عقبة بن عامر ﵁.
(٣) رواه الطبراني في «الأوسط» (٤٣٦١) والحاكم في «معرفة علوم الحديث» (ص ١٢٨) وأبو نعيم في «مسند أبي حنيفة» (ص ١٦٠). وفي إسناده عبد الله بن أيوب القِربي، قال الدارقطني فيه: متروك. وانظر: «السلسلة الضعيفة» (٤٩١).