ثم يقال: إذا خصصتم عمومَ قوله: «فيما سَقَتِ السماء العشْرُ» بالقَصَب والحشيش ولا ذكْرَ لهما في النص فهلّا خصصتموه بقوله: «لا زكاةَ في حبٍّ ولا ثَمَرٍ حتى يبلغ خمسةَ أوسُقٍ»١؟ وإذا كنتم تخصّون العموم بالقياس فهلّا خصصتم هذا العام بالقياس الجلي الذي هو من أجلى القياس وأصحِّه على سائر أنواع المال الذي تجب فيه الزكاة٢؟ فإن الزكاة الخاصة لم يشرعها الله في مال إلا وجعل له نصابًا كالمواشي والذهب والفضة.
ويقال أيضًا: هلَّا أوجبتم الزكاة في قليل كل مال وكثيرِه عملًا بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾[التوبة: ١٠٣]، وبقوله ﷺ: [٨٩/ب] «ما من صاحب إبلٍ ولا بقرٍ لا يؤدِّي زكاتها إلا بُطِحَ لها يوم القيامة بقَاعٍ قَرْقَرٍ»٣، وبقوله: «ما من صاحب ذهبٍ ولا فضةٍ لا يؤدِّي زكاتَها إلا صُفِّحَتْ له يومَ القيامة صَفائحُ من نارٍ»٤. وهلَّا كان هذا العموم عندكم مقدّمًا على أحاديث النُّصُب الخاصة؟ وهلَّا قلتم: هناك تعارضُ مُسقِطٍ٥ ومُوجِبٍ فقدمنا٦ الموجب احتياطًا؟ وهذا في غاية الوضوح، وبالله التوفيق.
(١) رواه مسلم (٩٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٢) ت: «الزكاة فيه».
(٣) رواه مسلم (٩٨٧) من حديث أبي هريرة ﵁. وبُطح أي أُلقي على وجهه. والقاع القرقر: المستوي الواسع من الأرض.
(٤) رواه مسلم ضمن الحديث السابق.
(٥) ت: «سقط».
(٦) ت: «فقد قدمنا».
المثال الثامن والثلاثون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في جواز النكاح بما قلَّ من المهر ولو خاتمًا من حديد١، مع موافقتها لعموم القرآن في قوله: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾[النساء: ٢٤]، وللقياس في جواز التراضي٢ بالمعاوضة على القليل والكثير، بأثرٍ لا يثبت وقياسٍ٣ من أفسد القياس على قطع يد السارق، وأين النكاح من اللصوصية؟ وأين استباحة الفرج به إلى قطع اليد في السرقة؟ وقد تقدَّم مرارًا أن أصحَّ الناس قياسًا٤ أهلُ الحديث، وكلَّما كان الرجل إلى الحديث أقربَ كان قياسه أصحَّ، وكلّما كان عن الحديث أبعدَ كان قياسه أفسدَ.
المثال التاسع والثلاثون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة فيمن أسلم وتحته أختان أنه يخيَّر في إمساك من شاء منهما وتَرْكِ الأخرى، بأنه خلاف الأصول، وقالوا: قياس الأصول يقتضي أنه إن نكح٥ واحدة بعد واحدة فنكاح الثانية هو المردود، ونكاح الأولى هو الصحيح من غير تخيير، وإن نكحهما معًا فنكاحهما باطل، ولا تخييرَ، وكذلك حديث من أسلم على عَشْرِ نسوة، وربما أوَّلوا التخيير بتخييره في ابتداء العقد على من شاء من المنكوحات. ولفظ الحديث يأبى هذا التأويل أشدَّ الإباء؛ فإنه قال: «أمسِكْ أربعًا وفارِقْ سائرهن»، رواه [٩٠/أ] معمر عن الزهري عن سالم عن
(١) رواه البخاري (٥٠٢٩) ومسلم (١٤٢٥) من حديث سهل بن سعد ﵄.