عنه، ولو لم يكن في حكمة الإشعار إلا تعظيم شعائر الله وإظهارها وعِلْم١ الناس بأن هذه قرابين الله ﷿ تُساق إلى بيته، تُذبح له ويُتقرب بها إليه عند بيته كما يُتقرب إليه بالصلاة إلى بيته، عكس ما عليه أعداؤه المشركون الذين يذبحون لأربابهم ويصلّون لها؛ فشُرِع لأوليائه وأهل توحيده أن يكون نُسكهم وصلاتهم لله وحده، وأن يُظهِروا شعائر توحيده غاية الإظهار ليعلو دينه على كل دين؛ فهذه هي٢ الأصول الصحيحة٣ التي جاءت السنة بالإشعار على وَفْقها، ولله الحمد.
المثال الثالث والأربعون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة أن النبي ﷺ قال: «لو أن امرأً اطَّلعَ عليك بغير إذنٍ فخذفتَه بحصاة ففقأتَ عينَه ما كان عليك جناح». متفق عليه٤، وفي أفراد مسلم٥: «من اطَّلعَ في بيت قوم بغير إذنهم فقد حلَّ لهم أن يَفْقَؤوا عينَه». وفي «الصحيحين»٦ من حديث سهل بن سعد: اطَّلع رجل من جُحرٍ في حجرة رسول الله ﷺ، ومعه مِدْرًى يَحُكُّ بها رأسه، فقال: «لو أعلم أنك تنظر لطعنتُ به في عينك، إنما جُعِل الاستئذان من أجْلِ النظر».
(١) في هامش ع: «اعلام».
(٢) «هي» ليست في ت.
(٣) «الصحيحة» ليست في ع.
(٤) رواه البخاري (٦٩٠٢) ومسلم (٢١٥٨/ ٤٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) برقم (٢١٥٨/ ٤٣).
(٦) رواه البخاري (٦٢٤١) ومسلم (٢١٥٦).
وفي «صحيح مسلم»١ عن أنس: أن رجلًا اطَّلعَ من بعض حجر رسول الله٢ﷺ، فقام إليه بمِشْقَصٍ أو بمشاقص، قال: وكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يَخْتِلُه ليطعنَه.
وفي «سنن البيهقي»٣ بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من اطَّلعَ على قوم بغير إذنهم فرمَوه فأصابوا عينه فلا ديةَ له [٩٣/أ] ولا قصاصَ».
فرُدَّت هذه السنن بأنها خلاف الأصول؛ فإنّ الله إنما أباح قَلْعَ العين بالعين، لا بجناية النظر، ولهذا لو جنى عليه بلسانه لم يقطع، ولو استمع عليه بأُذُنه لم يجز له أن يقطع أذنه.
فيقال: بل هذه السنن من أعظم الأصول؛ فما خالفها فهو خلاف الأصول. وقولكم: إنما شرع الله سبحانه أخْذَ العين بالعين، فهذا حق في القصاص، وأما العضو الجاني المتعدّي الذي لا يمكن دفعُ ضرره وعدوانه إلا برميه، فإن الآية لا تتناوله٤ نفيًا ولا إثباتًا، والسنة جاءت ببيان حكمه بيانًا ابتدائيًّا لِما سكت عنه القرآن، لا مخالفًا لما حكم به القرآن، وهذا قسم آخر غير فَقْء العين قصاصًا، وغير دفع الصائل الذي يُدفع بالأسهل فالأسهل؛ إذ المقصود دفع ضررِ صِياله، فإذا اندفع بالعصا لم يدفع بالسيف.
(١) رقم (٢١٥٧)، ورواه البخاري (٦٢٤٢) أيضًا.
(٢) د: «النبي».
(٣) (٨/ ٣٣٨)، ورواه أيضًا النسائي (٤٨٦٠) وأحمد (٨٩٩٧)، وصححه ابن حبان (٦٠٠٤).