وأما هذا المتعدي بالنظر المحرّم الذي لا يمكن الاحتراز منه، فإنه إنما يقع على وجه الاختفاء والخَتْل؛ فهو قسم آخر غير الجاني وغير الصائل الذي لم١ يتحقّق عدوانه٢، ولا يقع هذا غالبًا إلا على وجه الاختفاء وعدم مشاهدة غير الناظر له؛ فلو كُلِّف المنظور إليه إقامةَ البينة على جنايته تعذَّرت عليه، ولو أمر بدفعه بالأسهل فالأسهل ذهبت جناية عدوانه٣ بالنظر إليه وإلى حريمه هدرًا، والشريعة الكاملة تأبى هذا وهذا؛ فكان أحسنُ ما يمكن وأصلحه وأكفُّه لنار الجاني٤ ما جاءت به السنة التي لا معارضَ لها ولا دافعَ لصحتها من حذف٥ ما هنالك، وإن لم يكن هناك بصرٌ عادٍ لم يضرَّ٦ حَذْف الحصاة، وإن كان هناك بصرٌ عادٍ لا يلومَنَّ إلا نفسه٧؛ فهو الذي عرَّضه صاحبه للتلف، فأدناه إلى الهلاك، والحاذف٨ ليس بظالم [٩٣/ب] له، والناظر خائن ظالم، والشريعة أكمل وأجلُّ من أن تُضيع٩
حقَّ هذا الذي قد هُتِكَتْ حرمته وتُحِيله في١٠ الانتصار على التعزير بعد إقامة
(١) «لم» ساقطة من ع.
(٢) د: «عداوته».
(٣) د: «عداوته».
(٤) ع: «لثار الجاني». وفي المطبوع: «وأكفه لنا وللجاني». والمثبت من د.
(٥) كذا في النسخ بالحاء، وهو صحيح بها وبالخاء في اللغة بمعنى الرمي.
(٦) ع: «لم يجز».
(٧) ت: «لا يكون إلا من نفسه».
(٨) د: «والخاذف».
(٩) ت: «تضع» ..
(١٠) ت: «على».
البينة؛ فحكم الله فيه بما شرعه على لسان رسوله ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾[المائدة: ٥٠].
المثال الرابع والأربعون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في وضع الجوائح، بأنها خلاف الأصول، كما في «صحيح مسلم»١ عن جابر يرفعه: «لو بعتَ من أخيك ثمرًا فأصابتْه جائحةٌ فلا يَحِلُّ لك أن تأخذ منه شيئًا، بِمَ٢ تأخذُ مال أخيك بغير حق؟». وروى سفيان بن عيينة عن حُميد عن سليمان عن جابر أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع السنين، وأمر بوضع الجوائح٣. فقالوا: هذه خلاف الأصول؛ فإن المشتري قد ملك الثمرة وملك التصرف فيها، وتَمَّ نقلُ الملك إليه، ولو ربح فيها كان٤ الربح له، فكيف تكون من ضمان البائع؟ وفي «صحيح مسلم»٥ عن أبي سعيد قال: أصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمارٍ ابتاعها، فكثُر دَينه، فقال رسول الله ﷺ: «تصدَّقوا عليه»، فتصدّقوا عليه، فلم يبلغ ذلك وفاءَ دينه، فقال رسول الله ﷺ: «خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك». وروى مالك٦ عن
(١) رقم (١٥٥٤).
(٢) ت: «ثم».
(٣) رواه أبو داود (٣٣٧٤) وأحمد (١٤٣٢٠)، وروى مسلم الشطر الأول منه برقم (١٤٣٦) والشطر الثاني برقم (١٥٥٤).
(٤) ع: «لكان».
(٥) رقم (١٥٥٦).
(٦) في «الموطأ» (٢/ ٦٢١)، ومن طريقه الشافعي في «الأم» (٤/ ١١٧) عن عمرة مرسلًا، ووصله أحمد (٢٤٤٠٥)، وصححه ابن حبان (٥٠٣٢) من حديث عائشة ﵂، وقد اختلف في وصله وإرساله، ورجح الدارقطني الوصل في «علله» (١٤/ ٤٢٣).