وفي «السنن» و«صحيح ابن حبان وابن خزيمة» عن وابصة بن معبد أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يصلّي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد صلاته١.
وفي «مسند الإمام أحمد»٢: سئل رسول الله ﷺ عن رجل صلَّى وحدَه خلف الصف٣ قال: «يعيد صلاته».
فردَّت هذه السنن المحكمة بأنها خلاف الأصول، ولعمر الله إنها هي محض الأصول، وما خالفها فهو خلاف الأصول، وردَّت بالمتشابه من حديث ابن عباس حيث أحرم عن يسار النبي ﷺ، فأداره إلى يمينه، ولم يأمره باستقبال الصلاة٤.
وهذا من أفسد الردّ؛ فإنه لا يشترط أن تكون تكبيرة الإحرام من المأمومين في حال واحد٥، بل لو كبَّر أحدهم وحده ثم كبَّر الآخر بعده صحت القدوة ولم يكن السابق فذًّا وإن أحرم وحده، فالاعتبار بالمُصافَّة فيما تدرك به الركعة وهو الركوع. وأفسدُ من هذا الردّ ردُّ الحديث بأن الإمام يقف فذًّا، وسنة رسول الله ﷺ أجلُّ وأعظمُ في صدور أهلها أن تُعارَض بهذا
(١) رواه أبو داود (٦٨٢) والترمذي وحسنه (٢٣٠، ٢٣١)، ورواه ابن ماجه (١٠٠٤) وأحمد (١٨٠٠٠)، وذكره ابن خزيمة بدون إسناد (١٥٦٩)، وصححه ابن حبان (٢١٩٨). وانظر: «الإرواء» (٢/ ٣٢٣).
(٢) رقم (١٨٠٠٤).
(٣) ت، ع: «خلف الصف وحده».
(٤) رواه البخاري (١١٧) ومسلم (٧٦٣).
(٥) د: «واحدة».
وأمثاله. وأقبحُ من هذه المعارضة معارضتها بأن المرأة تقف خلف الصف وحدها؛ فإن هذا هو موقفها المشروع بل الواجب، كما أن موقف الإمام المشروع أن يكون وحده أمام الصف. وأما موقف الفذّ خلف الصف فلم يشرعه رسول الله [٩٥/ب]ﷺ البتةَ، بل شرع الأمر بإعادة الصلاة لمن وقف فيه، وأخبر أنه لا صلاة له.
فإن قيل: فهَبْ أن هذه المعارضات لم يسلم منها شيء، فما تصنعون بحديث١ أبي بكرة حين ركع دون الصفّ ثم مشى راكعًا حتى دخل في الصف، فقال له النبي٢ﷺ: «زادك الله حرصًا ولا تَعُدْ»٣. ولم يأمره بإعادة الصلاة وقد وقعت منه تلك الركعة فذًّا؟
قيل: نقبله على الرأس والعينين، ونمسك٤ قوله ﷺ: «لا تَعُدْ»، فلو فعل أحد ذلك غيرَ عالمٍ بالنهي لقلنا له كما قال رسول الله ﷺ سواء، فإن عاد بعد علمه بالنهي فإمّا أن يجتمع مع الإمام في الركوع في الصف أو لا، فإن جامعَه في الركوع وهو في الصف صحت صلاته؛ لأنه أدرك الركعة وهو غير فذٍّ كما لو أدركها قائمًا، وإن رفع الإمام رأسه من الركوع قبل أن يدخل في الصف، فقد قيل: تصح صلاته، وقيل: لا تصح له تلك الركعة ويكون فذًّا فيها. والطائفتان احتجُّوا بحديث أبي بكرة.