وأمثاله. وأقبحُ من هذه المعارضة معارضتها بأن المرأة تقف خلف الصف وحدها؛ فإن هذا هو موقفها المشروع بل الواجب، كما أن موقف الإمام المشروع أن يكون وحده أمام الصف. وأما موقف الفذّ خلف الصف فلم يشرعه رسول الله [٩٥/ب]ﷺ البتةَ، بل شرع الأمر بإعادة الصلاة لمن وقف فيه، وأخبر أنه لا صلاة له.
فإن قيل: فهَبْ أن هذه المعارضات لم يسلم منها شيء، فما تصنعون بحديث١ أبي بكرة حين ركع دون الصفّ ثم مشى راكعًا حتى دخل في الصف، فقال له النبي٢ﷺ: «زادك الله حرصًا ولا تَعُدْ»٣. ولم يأمره بإعادة الصلاة وقد وقعت منه تلك الركعة فذًّا؟
قيل: نقبله على الرأس والعينين، ونمسك٤ قوله ﷺ: «لا تَعُدْ»، فلو فعل أحد ذلك غيرَ عالمٍ بالنهي لقلنا له كما قال رسول الله ﷺ سواء، فإن عاد بعد علمه بالنهي فإمّا أن يجتمع مع الإمام في الركوع في الصف أو لا، فإن جامعَه في الركوع وهو في الصف صحت صلاته؛ لأنه أدرك الركعة وهو غير فذٍّ كما لو أدركها قائمًا، وإن رفع الإمام رأسه من الركوع قبل أن يدخل في الصف، فقد قيل: تصح صلاته، وقيل: لا تصح له تلك الركعة ويكون فذًّا فيها. والطائفتان احتجُّوا بحديث أبي بكرة.
(١) ت: «في حديث».
(٢) ت: «رسول الله».
(٣) رواه البخاري (٧٨٣).
(٤) ع: «ونمتثل».
والتحقيق أنه قضية عينٍ، يحتمل دخوله في الصف قبل رفع الإمام، ويحتمل أنه لم يدخل فيه حتى رفع الإمام. وحكاية الفعل لا عمومَ لها؛ فلا يمكن أن يُحتَجَّ بها على الصورتين، فهي إذًا مجملة متشابهة، فلا يُترك لها النص المحكم الصريح، فهذا مقتضى الأصول نصًّا وقياسًا، وبالله التوفيق.
المثال السادس والأربعون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في جواز الأذان للفجر قبل دخول وقتها، كما في «الصحيحين»١ من حديث سالم بن عبد الله [عن أبيه]٢ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن بلالًا يؤذِّن بليلٍ، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذانَ ابنِ [٩٦/أ] أم مكتوم». وفي «صحيح مسلم»٣ عن سمرة عن النبي ﷺ: «لا يغرَّنَّكم نداءُ بلال ولا هذا البياضُ حتى ينفجر٤ الفجر». وهو في «الصحيحين»٥ من حديث ابن مسعود، ولفظه: «لا يمنعنَّ أحدَكم أذانُ بلال من سحوره؛ فإنه يؤذِّن أو ينادي ليرجع قائمكم وينتبه نائمكم». قال مالك٦: «لم تَزَلِ الصبحُ يُنادَى لها قبل الفجر».
فرُدَّتْ هذه السنة لمخالفتها٧ الأصولَ والقياس على سائر الصلوات، وبحديث حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن بلالًا أذَّن قبل