يؤذن١ ابن أم مكتوم، أو قال: إن ابن أم مكتوم يؤذّن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذِّن بلال٢. كذلك رواه سليمان بن حرب وجماعة.
والصواب رواية أبي داود الطيالسي وعمرو بن مرزوق لموافقتها حديث ابن عمر وعائشة، وأما رواية أبي الوليد وأبي عمرو٣ فمما انقلب فيها لفظ الحديث، وقد عارضها رواية الشك ورواية الجزم بأن المؤذن بليلٍ هو بلال، وهو الصواب بلا شك، فإن ابن أم مكتوم كان ضرير البصر، ولم يكن له علم بالفجر؛ فكان إذا قيل له: «طلع الفجر» أذَّن. وأما ما ادعاه بعض الناس أن النبي ﷺ جعل الأذان نوبًا بين بلال وبين ابن أم مكتوم، وكان كل منهما في نوبته يؤذّن بليلٍ، فأمر النبي ﷺ الناس أن يأكلوا ويشربوا حتى يؤذّن الآخر= فهذا كلام باطل على رسول الله ﷺ، ولم يجئ في ذلك أثر قطُّ، لا بإسناد٤ صحيح ولا ضعيف ولا مرسل ولا متصل، ولكن هذه طريقة من يجعل غلط الرواة شريعةً ويحملها على السنة، وخبر ابن مسعود وابن عمر وعائشة وسمرة الذي لم يُختلَف عليهم فيه أولى بالصحة، والله أعلم.
المثال السابع والأربعون٥: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المستفيضة
(١) ع: «حتى تسمعوا أذان».
(٢) رواه البيهقي (١/ ٣٨٢).
(٣) د، ع: «أبي عمر».
(٤) ت: «ولا إسناد».
(٥) د، ت: «التاسع والأربعون». وهكذا يستمر زيادة رقمين فيما بعد، وقد صحِّح في د في الهوامش بخط مغاير، واعتمدنا هذا التصحيح.
عن النبي ﷺ في الصلاة على القبر، كما في «الصحيحين»١ من حديث ابن عباس: [٩٩/أ] أن النبي ﷺ صلَّى على قبر منبوذٍ، فصفَّهم وتقدّم فكبّر عليه أربعًا. وفيهما٢ من حديث أبي هريرة: أنه صلّى على قبر٣ امرأة سوداء كانت تقمُّ المسجد. وفي «صحيح مسلم»٤ من حديث أنس أن النبي ﷺ صلى على قبر امرأة بعدما دُفِنتْ. وفي «سنن» البيهقي والدارقطني٥ عن ابن عباس أن النبي ﷺ صلّى على قبرٍ بعد شهر. وفيهما٦ عنه: أن٧ النبي ﷺ صلى على ميت بعد ثلاث. وفي «جامع الترمذي»٨: أن النبي ﷺ صلّى على أم سعد بعد شهر٩.
فردَّت هذه السنن المحكمة بالمتشابه من قوله: «لا تجلسوا على القبور
(١) رواه البخاري (٨٥٧) ومسلم (٩٥٤).
(٢) رواه البخاري (١٣٣٧) ومسلم (٩٥٦).
(٣) «قبر» ليست في ع.
(٤) رقم (٩٥٥).
(٥) رواه الدارقطني (١٨٤٧) ومن طريقه البيهقي (٤/ ٤٦)، وهي شاذة تفرد بها بشر بن آدم عن أبي عاصم، وخالفه غيره فيها. انظر: «سنن» الدارقطني (١٨٤٧) و«الفتح» (٣/ ٢٠٥) و«الإرواء» (٣/ ١٨٣).
(٦) رواه الدارقطني (١٨٤٦) ومن طريقه البيهقي (٤/ ٤٥ - ٤٦)، وهي زيادة شاذة. انظر: «الفتح» (٣/ ٢٠٥) و«الإرواء» (٣/ ١٨٣).
(٧) ت: «عن».
(٨) رواه الترمذي عن سعيد بن المسيب مرسلًا (١٠٣٨)، وضعفه الألباني في «الإرواء» (٢/ ١٨٦).