إلى مجلسنا، فحدَّثنا أن رسول الله ﷺ قال: «إذا خَرصتم فدَعُوا الثلث؛ فإن لم تَدَعوا الثلث فدعوا الربع».
قال الحاكم١: هذا حديث صحيح الإسناد.
ورواه أبو داود في «السنن»٢. وروى فيها أيضًا عن عائشة: كان النبي ﷺ يبعث عبد الله بن رواحة إلى يهود، فيَخْرُص النخل حين يطيب قبل أن يؤكل منه، ثم يُخيِّر يهودَ٣ فيأخذونه بذلك الخَرْص أم٤ يدفعونه إليهم بذلك الخرص، لكي تُحصَى الزكاة قبل أن تؤكل الثمار وتُفرَّق٥.
وروى الشافعي عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيّب أن رسول الله ﷺ قال ليهود خيبر: «أُقِرُّكم على ما أَقرَّكم الله، على أن التمر٦ بيننا وبينكم». قال: وكان رسول الله ﷺ يبعث عبد الله بن رواحة فيخْرُص عليهم ثم يقول: إن شئتم فلكم، وإن شئتم فلي، وكانوا يأخذونه٧.
وفي «الصحيحين»٨ أن رسول الله ﷺ خَرَصَ حديقة المرأة وهو
(١) في «المستدرك» (١/ ٤٠٢).
(٢) برقم (١٦٠٥).
(٣) ع: «اليهود».
(٤) ع: «أو».
(٥) رواه أبو داود (١٦٠٦، ٣٤١٣)، وإسناده ضعيف؛ لجهالة المخبر بين ابن جريج وابن شهاب. وانظر: «ضعيف أبي داود» - الأم (٢/ ١١٥) و«الإرواء» (٣/ ٢٨٠).
(٦) ع: «الثمر».
(٧) رواه مالك في «الموطأ» (٢/ ٧٠٣)، ومن طريقه الشافعي في «الأم» (٣/ ٨٥، ٨٦، ٨/ ٦٢٥) والبيهقي (٤/ ١٢٢). وهو مرسل.
(٨) رواه البخاري (١٤٨١) ومسلم (١٣٩٢) من حديث أبي حميد الساعدي ﵁.
ذاهب إلى تبوك، وقال لأصحابه: «اخْرُصوها»، فخرصوها بعشرة أوسُقٍ، فلما قَفَلَ١ سألوا المرأة عن تمر الحديقة، فقالت: بلغ عشرة أوسُقٍ.
وفي «الصحيحين»٢ من حديث [١٠٠/ب] زيد بن ثابت: رخَّص رسول الله ﷺ لصاحب العرِيَّة أن يبيعها بخَرْصِها تمرًا.
وصحّ عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه بعث سهل بن أبي حَثْمة على خرص التمر، وقال: إذا أتيتَ أرضًا فاخرُصْها، ودَعْ لهم قدرَ ما يأكلون»٣.
فردَّتْ هذه السنن كلها بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾[المائدة: ٩٠]، قالوا: والخرص من باب القمار والميسر؛ فيكون تحريمه ناسخًا لهذه الآثار. وهذا من أبطل الباطل؛ فإن الفرق بين القمار والميسر والخرص المشروع، كالفرق بين البيع والربا والميتة والذكيّ٤، وقد نزَّه الله رسوله وأصحابه عن تعاطي القمار وعن شرعه وإدخاله في الدين.
ويا لله العجب! أكان المسلمون يقامرون إلى زمن خيبر، ثم استمروا على ذلك إلى عهد الخلفاء الراشدين، ثم انقضى عصر الصحابة وعصر التابعين على القمار ولا يعرفون أن الخرص قمار حتى بيَّنه بعض فقهاء
(١) ع: «قفلوا».
(٢) رواه البخاري (٢٣٨٠) ومسلم (١٥٣٩).
(٣) رواه البيهقي (٤/ ١٢٤)، وإسناده منقطع لأن بُشيرًا لم يدرك عمر، ولكن وصله الحاكم وصححه (١/ ٤٠٢ - ٤٠٣)، ورواه البيهقي (٤/ ١٢٤) عن بشير عن سهل بن أبي حثمة عن عمر.