الأوزاعي عن الزهري أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة أن رسول الله ﷺ قرأ قراءة طويلة يجهر بها في صلاة الكسوف.
قال البخاري١: «تابعه سليمان بن كثير وسفيان بن حسين عن الزهري».
قلت: أما حديث سليمان بن كثير ففي «مسند أبي داود الطيالسي»٢: ثنا سليمان بن كثير عن الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي ﷺ جهر بالقراءة في صلاة الكسوف.
وقد تابعه عبد الرحمن بن نمر عن الزهري، وهو في «الصحيحين»٣ أنه سمع ابن شهاب يحدّث عن عروة عن عائشة: كُسِفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ، فبعث رسول الله ﷺ مناديًا أن الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فتقدَّم رسول الله ﷺ فكبَّر وافتتح القرآن، وقرأ [١٠٢/أ] قراءة طويلة يجهر بها، فذكر الحديث.
قال البخاري: «حديث عائشة في الجهر أصحُّ من حديث سمرة»٤.
قلت: يريد قول سمرة: «صلّى بنا رسول الله ﷺ في كسوفٍ، ولم نسمع
(١) في «صحيح» (١٠٦٦).
(٢) رقم (١٥٦٩).
(٣) رواه البخاري (١٠٦٥) ومسلم (٩٠١).
(٤) ذكره عنه الترمذي في «العلل الكبير» (ص ٩٧)، ومن طريقه البيهقي (٣/ ٣٣٦).
له صوتًا»١، وهو أصرح منه بلا شك، وقد تضمَّن زيادة الجهر؛ فهذه ثلاث ترجيحات، والذي رُدّت به هذه السنة المحكمة هو المتشابه من قول ابن عباس: إنه صلّى بالكسوف فقرأ نحوًا من سورة البقرة٢. قالوا: فلو سمع ما قرأ لم يقدره بسورة البقرة.
وهذا يحتمل وجوهًا:
أحدها: أنه لم يجهر.
الثاني: أنه جهر ولم يسمعه ابن عباس.
الثالث: أنه سمعه ولم يحفظ ما قرأ به، فقدره بسورة البقرة؛ فابنُ عباس لم يجمع القرآن في حياة النبي ﷺ، وإنما جمعه بعده.
الرابع: أن يكون نسي ما قرأ به وحفظ قدر قراءته، فقدرها بالبقرة، ونحن نرى الرجل ينسى ما قرأ به الإمام في صلاة يومه. فكيف يقدم هذا اللفظ المجمل على الصريح المحكم الذي لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا؟
ومن العجب أن أنسًا روى ترك جهر النبي ﷺ ببسم الله الرحمن الرحيم٣، ولم يصحّ عن صحابي خلافه، فقلتم: كان صغيرًا يصلِّي خلف
(١) رواه أبو داود (١١٨٤) والنسائي (١٤٩٥) والترمذي (٥٦٢) وابن ماجه (١٢٦٤) وأحمد (٢٠١٧٨)، وفي إسناده ثعلبة بن عباد مجهول. انظر: «ضعيف أبي داود» - الأم (٢/ ٢٢).