الصفوف فلم يسمع البسملة، وابنُ عباس أصغرُ سنًّا منه بلا شك، وقدَّمتم عدمَ سماعه للجهر على من سمعه صريحًا، فهلّا قلتم: كان صغيرًا فلعله صلّى خلف الصف فلم يسمعه جهر١؟
وأعجبُ من هذا قولكم: إن أنسًا كان صغيرًا لم يحفظ تلبية رسول الله ﷺ: «لبيك حجًّا وعمرةً»، وقدّمتم قول ابن عمر عليه أنه أفرد الحج٢، وأنس إذ ذاك له عشرون سنة، وابن عمر لم يستكملها وهو بِسنِّ أنس، وقوله: «أفرد الحج» مجمل، وقولُ أنس: سمعته يقول: «لبيك عمرة وحجًّا»٣ محكم مبين٤ صريح لا يحتمل غير ما يدل عليه، [١٠٢/ب] وقد قال ابن عمر: «تمتَّع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج، وبدأ فأهلَّ بالعمرة، ثم أهلَّ بالحج»٥، فقدَّمتم على حديث أنس ــ الصحيح الصريح المحكم الذي لم يُختلف عليه فيه ــ حديثًا٦ ليس مثلَه في الصراحة والبيان، ولم يَذكُر رواية لفظ النبي ﷺ، وقد اختُلِف عليه فيه.
المثال الثاني والخمسون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في الاكتفاء في بول الغلام الذي لم يَطْعَم بالنَّضْح دون الغسل، كما في
(١) ت: «جهرا».
(٢) رواه مسلم (١٢٣١).
(٣) رواه مسلم (١٢٣٢). وفي ت: «حجا وعمرة».
(٤) ع: «بين».
(٥) رواه البخاري (١٦٩١) ومسلم (١٢٢٧).
(٦) ت: «حديث».
«الصحيحين»١ عن أم قيس أنها أتت بابنٍ لها صغير لم يأكل الطعام، فأجلسه رسول الله ﷺ في حِجْره، فبال عليه٢، فدعا رسول الله ﷺ بماء فنضَحَه ولم يغسِلْه.
وفي «الصحيحين»٣ أيضًا عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالصبيان فيبرِّك عليهم ويُحنِّكهم، فأُتي بصبي فبال عليه، فدعا بماء فأتبعه ولم يغسله.
وفي «سنن أبي داود»٤ عن أُمامة٥ بنت الحارث قالت: كان الحسين بن علي في حِجْر النبي ﷺ، فبال عليه، فقالت: الْبَسْ ثوبًا وأعطني إزارك حتى أغسِلَه، فقال: «إنما يُغسَل من بول الأنثى، ويُنضَح من بول الذكر».
وفي «المسند»٦ وغيره عن علي قال: قال رسول الله ﷺ: «بول الغلام
(١) رواه البخاري (٢٢٣) ومسلم (٢٨٧).
(٢) ع: «على ثوبه».
(٣) رواه البخاري (٦٣٥٥) ومسلم (٢٨٦).
(٤) رواه أبو داود (٣٧٥) وابن ماجه (٥٢٢)، وصححه ابن خزيمة (٢٨٢) والحاكم (١/ ١٦٦) والبيهقي (٢/ ٤١٤). انظر: «صحيح أبي داود» - الأم (٢/ ٢٢١).
(٥) كذا في النسخ، والصواب: «لبابة».
(٦) رواه أحمد (٧٥٧) وأبو داود (٣٧٨) والترمذي وحسنه (٦١٠) وابن ماجه (٥٢٥) وصححه ابن خزيمة (٢٨٤) وابن حبان (١٣٧٥) والحاكم (١/ ١٦٥ - ١٦٦) والبيهقي (٢/ ٤١٥)، والضياء (٤٩٦)، وقد اختلف في رفعه ووقفه وإرساله ووصله، ورجح البخاري صحته والدارقطني. انظر: «التنقيح» (١/ ١٣٠) و«الفتح» (١/ ٣٢٦) و«التلخيص الحبير» (١/ ٦٠ - ٦٢) و«صحيح أبي داود» - الأم (٢/ ٢٢٥).