المردود، فنقول: عمل أهل المدينة وإجماعهم نوعان؛ أحدهما: ما كان من طريق النقل والحكاية، والثاني: ما كان من طريق الاجتهاد والاستدلال.
فالأول على ثلاثة أضرب:
أحدها: نقل الشرع مبتدأً من جهة النبي ﷺ، وهو أربعة أنواع؛ أحدها: نقل قوله، والثاني: نقل فعله، والثالث: نقل تقريره لهم على أمرٍ شاهدَهم عليه أو أُخبِر به، الرابع: نقلٌ لترك شيء قام سبب وجوده ولم يفعله.
الثاني: نقل العمل المتصل زمنًا بعد زمن من عهده ﷺ.
والثالث: نقلٌ لأماكنَ وأعيانٍ ومقاديرَ لم تتغير عن حالها.
ونحن نذكر أمثلة هذه الأنواع:
فأما نقل قوله فظاهر، وهو الأحاديث المدنية التي هي أم الأحاديث النبوية، وهي أشرف أحاديث [١١٠/ب] أهل الأمصار، ومن تأمَّل أبواب البخاري وجده أول ما يبدأ في الباب بها ما وجدها، ثم يُتبِعها بأحاديث أهل الأمصار، وهذه كمالك عن نافع عن ابن عمر، وابن شهاب١ عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة، ومالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وأبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، وابن شهاب٢ عن سالم عن أبيه، وابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، ويحيى بن سعيد عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس، ومالك عن موسى بن عقبة عن كُريب عن أسامة بن زيد، والزهري
(١) ت: «ابن سهل»، تحريف.
(٢) ت: «ابن سهل»، تحريف.
عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب١، وأمثال ذلك.
وأما نقلُ فعله فكنقلهم أنه توضأ من بئر بُضاعة٢، وأنه كان يخرج كلَّ عيدٍ إلى المصلَّى فيصلِّي به العيد هو والناس٣، وأنه كان يخطبهم قائمًا على المنبر وظهره إلى القبلة ووجهه إليهم٤، وأنه كان يزور قُباءً كلَّ سبتٍ ماشيًا وراكبًا٥، وأنه كان يزورهم في دُورهم٦ ويعود مرضاهم٧ ويشهد جنائزهم٨ ونحو ذلك.
وأما نقل التقرير فكنَقْلِهم إقرارَه لهم٩ على تلقيح النخل، وعلى تجاراتهم التي كانوا يتجرونها١٠، وهي على ثلاثة أنواع: تجارة الضرب في الأرض، وتجارة الإدارة، وتجارة السَّلَم، فلم ينكر عليهم منها تجارة
(١) د: «أيوب» خطأ. وهو أبو أيوب الأنصاري.
(٢) رواه أبو داود (٦٦) والنسائي (٣٢٦) والترمذي وحسنه (٦٦) من حديث أبي سعيد الخدري، وصححه أحمد وابن معين وابن حزم وابن القطان. انظر: «التلخيص الحبير» (١/ ١٣).
(٣) رواه البخاري (٣٢٤) ومسلم (٨٩٠) من حديث أم عطية ﵂.
(٤) رواه البخاري (١٠١٣) ومسلم (٨٩٧) من حديث أنس ﵁.
(٥) رواه البخاري (١١٩١) ومسلم (١٣٩٩) من حديث ابن عمر ﵄.
(٦) رواه البخاري (٣٨٠) ومسلم (٦٥٨) من حديث أنس ﵁.
(٧) رواه البخاري (١٢٩٥) ومسلم (١٦٢٨) من حديث سعد ﵁.
(٨) رواه مسلم (٩٦٥) من حديث جابر بن سمرة ﵁.
(٩) ت: «إقرارًا لهم».
(١٠) أما تلقيح النخل فعند مسلم (٢٣٦٢) من حديث رافع ﵁، وأما تجاراتهم فقد تقدم تخريجه.