أحدهما: أن أصل الأفعال الإباحة، ولا يحرم منها إلا ما حرّمه الله على لسان رسوله.
الثاني: أن علم الرب تعالى بما يفعلونه في زمن شرع الشرائع ونزول الوحي وإقراره لهم عليه دليل على عفوه عنه.
والفرق بين هذا الوجه والوجه الذي قبله أنه في الوجه الأول يكون معفوًّا عنه استصحابًا، وفي الثاني يكون العفو عنه تقريرًا لحكم الاستصحاب. ومن هذا النوع تقريره لهم على أكل الزروع التي تُداس بالبقر، من غير أمر لهم بغَسْلها، وقد علم ﷺ أنها لا بدَّ أن تبول وقت الدِّياس.
ومن ذلك تقريره لهم على الوقود في بيوتهم وعلى أطعمتهم بأرواث الإبل وأَخْثاء البقر وأبعار [١١١/ب] الغنم، وقد علم١ أن دخانها ورمادها يصيب ثيابهم وأوانِيَهم، ولم يأمرهم باجتناب ذلك، وهو دليل على أحد أمرين ولا بدَّ: طهارة ذلك، أو أن دخان النجاسة ورمادها ليس بنجس٢.
ومن ذلك تقريرهم على سجود أحدهم على ثوبه إذا اشتدَّ الحرُّ٣، ولا يقال في ذلك: إنه ربما لم يعلمه؛ لأن الله قد علمه وأقرّهم عليه ولم يأمر رسوله بإنكاره عليهم، فتأمل هذا الموضع.
ومن ذلك تقريرهم على الأنكحة التي عقدوها في حال الشرك، ولم
(١) ت: «علم الله».
(٢) «وهو دليل ... بنجس» ساقطة من ت.
(٣) رواه البخاري (٣٨٥) ومسلم (٦٢٠) من حديث أنس ﵁.
يتعرض لكيفية وقوعها١، وإنما أنكر منها ما لا مَسَاغ٢ له في الإسلام حين الدخول فيه.
ومن ذلك تقريرهم على ما بأيديهم من الأموال التي اكتسبوها قبل الإسلام بربا أو غيره، ولم يأمر بردّها، بل جعل لهم بالتوبة ما سلف من ذلك.
ومنه تقرير الحبشة باللعب في المسجد بالحِراب، وتقرير عائشة على النظر إليهم، وهو كتقريره٣ النساء على الخروج والمشي في الطرقات وحضور المساجد وسماع الخطب التي كان ينادي بالاجتماع٤ لها، وتقريره للرجال على استخدامهن في الطحن والغسل والطبخ والعجن وعلف الفرس والقيام بمصالح البيت٥، ولم يقل للرجال قطُّ٦: لا يحلّ لكم ذلك إلا
(١) تقدم تخريج بعضها.
(٢) ت: «يساغ».
(٣) د: «كتقرير».
(٤) ت: «بالإجماع».
(٥) أما إقرار عائشة بالنظر إليهم ففي البخاري (٤٥٤) ومسلم (٨٩٢) من حديث عائشة ﵂. وأما خروجهن وحضور المساجد فعند البخاري (٨٦٥) ومسلم (٤٤٢) من حديث ابن عمر ﵄. وأما حضور الأعياد فرواه البخاري (٩٧٧) ومسلم (٨٨٤) من حديث ابن عباس ﵄. وأما إقرارهن على استخدامهن في الطحن فرواه البخاري (٣١١٣) ومسلم (٢٧٢٧) من حديث علي بن أبي طالب ﵁. وأما العجن فعند البخاري (٢٦٣٧) ومسلم (٢٧٧٠) في قصة حادثة الإفك. وأما علف الفرس فعند البخاري (٥٢٢٤) ومسلم (٢١٨٢) من حديث أسماء بنت أبي بكر. والقيام بمصالح البيت فعند البخاري (٢٤٠٦) ومسلم (٧١٥) من حديث جابر، والغسل في حديث عائشة عند البخاري (٢٣٠)، ومسلم (٢٨٩).