العبيد١. ولا سبيل إلى اقتباس هذين النورين، وتلقِّي هذين العلمين، إلا من مشكاةِ من قامت الأدلّة القاطعة على عصمته، وصرَّحت الكتب السماوية بوجوب طاعته ومتابعته. وهو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.
ولما كان التلقِّي عنه ﷺ على نوعين: نوع بواسطة، ونوع بغير واسطة؛ وكان التلقِّي بلا واسطة حظَّ أصحابه الذين حازوا قصَباتِ السِّباق، واستولوا على الأمد، فلا مطمعَ لأحد من الأمة بعدهم في اللَّحاق. ولكن المبرِّز من اتبع صراطهم المستقيم، واقتفى منهاجهم القويم؛ والمتخلِّف من عدل عن طريقهم ذات اليمين وذات الشمال، فذلك المنقطع التائه في بيداء المهالك والضلال. فأيُّ خصلةِ خيرٍ لم يسبقوا إليها؟ وأيُّ خُطَّةِ رشدٍ لم يستولوا عليها؟
تالله لقد وردوا رأس الماء من عين الحياة عذبًا صافيًا زُلالًا، وأطَّدوا قواعد الإسلام، فلم يدَعوا لأحد بعدهم مقالًا. فتحوا القلوب٢ بالقرآن والإيمان، والقرى بالجهاد بالسيف والسنان. وألقوا إلى التابعين ما تلقَّوه من مشكاة النبوة خالصًا صافيًا، وكان سندهم فيه عن نبيِّهم ﵌ عن جبريل عن ربِّ العالمين سندًا صحيحًا عاليًا. وقالوا: هذا عهدُ نبينا إلينا، وقد عهدناه٣ إليكم. وهذه وصية ربنا وفرضه علينا، وهي وصيته وفرضه عليكم. فجرى التابعون لهم بإحسان على منهاجهم القويم، واقتفوا على آثارهم صراطهم المستقيم. ثم سلك [٣/ب] تابعو التابعين هذا المسلك
(١) في النسخ المطبوعة: "علم أحكام أفعال العبيد".
(٢) ع: "القلوب بعده". وفي النسخ المطبوعة: "القلوب بعدلهم".
(٣) ع: "عهدنا"، وكذا في النسخ المطبوعة.
الرشيد، ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾[الحج: ٢٤]. وكانوا بالنسبة إلى من قبلهم كما قال أصدق القائلين: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ١٣ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾[الواقعة: ١٣ - ١٤].
ثم جاء الأئمة من القرن الرابع المفضَّل في إحدى الروايتين، كما ثبت في الصحيح من حديث أبي سعيد١ وابن مسعود٢ وأبي هريرة٣ وعائشة٤ وعمران بن حصين٥، فسلكوا على آثارهم اقتصاصًا، واقتبسوا هذا الأمر من مشكاتهم اقتباسًا. وكان دين الله سبحانه أجلَّ في صدورهم، وأعظمَ في نفوسهم، من أن يقدِّموا عليه رأيًا أو معقولًا أو تقليدًا أو قياسًا. فطار لهم الثناء الحسن في العالمين، وجعل الله سبحانه لهم لسانَ صدقٍ في الآخرين.
ثم سار على آثارهم الرعيل الأول من أتباعهم، ودرَج على منهاجهم الموفَّقون من أشياعهم، زاهدين في التعصب للرجال، واقفين مع الحجة والاستدلال، يسيرون مع الحق أين سارت ركائبه، ويستقلُّون مع الصواب حيث استقلَّت مضاربه٦. إذا أبدى٧ لهم الدليل ناجذيه٨ طاروا إليه
(١) أخرجه البخاري (٢٨٩٧) ومسلم (٢٥٣٢).
(٢) أخرجه البخاري (٢٦٥٢) ومسلم (٢٥٣٣).
(٣) أخرجه مسلم (٢٥٣٤).
(٤) أخرجه مسلم (٢٥٣٦).
(٥) أخرجه البخاري (٢٦٥١) ومسلم (٢٥٣٥).
(٦) يستقلُّون: يرتحلون. والمضارب: جمع مَضْرَب بفتح الميم وكسرها، وهو الفسطاط العظيم.
(٧) ت، ف: "بدا"، وهو خطأ.
(٨) في النسخ المطبوعة: "بأُخْذته"، وفسَّرها الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد بأن الأُخذة: "رقية تشبه السحر، والمراد قوة الدليل التي تأخذ بالألباب"! والحق أنها تصحيفُ ما أثبت من النسخ الخطية. والتعبير مأخوذ من الشعر المذكور في التعليق الآتي. وقد استعاره المؤلف في قوله في قصيدته النونية أيضًا: قومٌ إذا ما ناجذُ النصِّ بدا ... طاروا له بالجمع والوُحدانِ