والثالث: أن إجماعهم من طريق الاجتهاد حجة وإن لم يحرم خلافه، كإجماعهم من طريق النقل، وهذا مذهب قوم من أصحابنا، وهو الذي عليه كلام أحمد بن المعذَّل١ وابن بُكَير وغيرهما، وذكر الشيخ أن في «رسالة مالك إلى الليث بن سعد» ما يدلُّ عليه، وقد ذكر أبو مصعب في «مختصره» مثل ذلك، والذي صرَّح به القاضي أبو الحسين٢ بن أبي عمر في «مسألته التي صنّفها على أبي بكر الصَّيرفي» نقضًا لكلامه على أصحابنا في إجماع أهل المدينة، وإلى هذا يذهب جُلُّ أصحابنا المغاربة أو جميعهم.
فأما٣ حال الأخبار من طريق الآحاد فلا تخلو من ثلاثة أمور: إما أن يكون صحبها٤ عمل أهل المدينة مطابقًا لها، أو أن يكون عملهم بخلافها، أو أن لا يكون منهم عملٌ أصلًا لا بخلافٍ ولا بوفاقٍ.
فإن كان عملهم موافقًا لها كان ذلك آكدَ في تصحيحها٥ ووجوبِ العمل بها، إذا كان العمل من طريق النقل، وإن كان من طريق الاجتهاد كان مرجِّحًا [١١٤/أ] للخبر على ما ذكرنا من الخلاف.
(١) د: «المعدل». ت: «العدل». والصواب بالذال المعجمة، انظر ترجمته في «ترتيب المدارك» (٤/ ٥ - ١٤).
(٢) كذا في النسخ وترتيب المدارك (١/ ٥٠). وجعله في ط: «أبو الحسن». وترجمه بعلي بن ميسرة القاضي، وليس في مصادر ترجمته أن أباه يكنى بأبي عمر، وأن له كتابًا في الردّ على أبي بكر الصيرفي.
(٣) ت: «وأما».
(٤) ت: «صحتها».
(٥) ط: «صحتها».
وإن كان عملهم بخلافه نُظِر: فإن كان العمل المذكور على الصفة التي ذكرناها فإن الخبر يُترك للعمل١ عندنا، لا خلاف بين أصحابنا في ذلك، وهذا أكبر الغرض بالكلام في هذه المسألة، وهذا كما نقوله في الصاع والمد وزكاة الخُضر وغير ذلك. وإن كان العمل منهم اجتهادًا فالخبر أولى منه عند جمهور أصحابنا، إلا من قال منهم: إن الإجماع من طريق الاجتهاد حجة.
وإن لم يكن بالمدينة عملٌ يوافق موجبَ٢ الخبر أو يخالفه فالواجب المصير إلى الخبر؛ فإنه دليل منفرد عن مُسقِط أو مُعارِض.
هذا جملة قول أصحابنا في هذه المسألة٣.
وقد تضمَّن ما حكاه أن عملهم الجاري مجرى النقل حجة، فإذا أجمعوا عليه فهو مقدَّم على غيره من أخبار الآحاد، وعلى هذا الحرف بنى المسألة وقرّرها، وقال٤: والذي يدلُّ على ما قلناه أنهم إذا أجمعوا على شيء نقلًا أو عملًا متصلًا فإن ذلك الأمر معلوم بالنقل المتواتر٥ الذي يحصل به العلم، وينقطع العذر فيه، ويجب ترك أخبار الآحاد له٦؛ لأن المدينة بلدة جمعتْ من الصحابة من يقع العلم بخبرهم فيما أجمعوا على