عمل كأنه رأيُ عينٍ، وجمهور التابعين يعمل به بالمدينة وغيرها من الأمصار كما حكاه البخاري ومحمد بن نصر المروزي وغيرهما عنهم، ثم صار العمل بخلافه.
وانظر إلى العمل الذي كأنه رأيُ عينٍ من صلاة رسول الله ﷺ على ابنَيْ بيضاءَ سهيلٍ وأخيه في المسجد والصحابةُ معه، وصلَّت عائشة على سعد بن أبي وقاص في المسجد١، وصُلِّي٢ على عمر بن الخطاب في المسجد، ذكره مالك٣ عن نافع عن عبد الله.
قال الشافعي٤: ولا نرى أحدًا من الصحابة حضر موتَه فتخلَّف عن جنازته، فهذا عمل مجمع عليه عندكم. قاله لبعض المالكية. وروى هشام عن أبيه أن أبا بكر صُلِّي عليه في المسجد٥، [١١٥/ب] فهذا العمل حقًّا، ولو تُرِكت السنن للعمل لتعطَّلت سنن رسول الله ﷺ ودَرستْ رسومها وعَفَتْ آثارها، وكم من عملٍ قد٦ اطَّرد بخلاف السنة الصريحة٧ على
(١) رواه مسلم (٩٧٣/ ١٠١) من حديث عائشة ﵂، وفيه ذكر صلاة النبي ﷺ على ابنَي بيضاء.
(٢) د: «وصل».
(٣) في «الموطأ» (١/ ٢٣٠).
(٤) في كتاب «الأم» (٨/ ٥٧٦).
(٥) رواه عبد الرزاق (٦٥٧٦)، ورجاله كلهم ثقات.
(٦) «قد» ساقطة من ت.
(٧) ت: «الصحيحة».
تقادم الزمان وإلى الآن، وكلَّ وقت تُترك سنة ويُعمل بخلافها ويستمرُّ عليها العمل، فخُذْ يسيرًا من السنة معمولًا به على نوع تقصير، وخُذْ بلا حُسْبانٍ ما شاء الله من سُنَنٍ قد أُهمِلتْ وعُطِّلَ العملُ بها جملة؛ فلو عمل بها من يعرفها لقال الناس: تَركتَ السنة!
فقد تقرَّر أن كل عمل خالف السنة الصحيحة لم يقع من طريق النقل البتةَ، وإنما يقع١ من طريق الاجتهاد، والاجتهاد إذا خالف السنة كان مردودًا، وكل عمل طريقه النقلُ فإنه لا يخالف سنة صحيحة البتةَ.
فلنرجع إلى الأمثلة التي تُرِك فيها المحكم للمتشابه، فنقول:
المثال السابع والخمسون: تركُ السنة المحكمة الصحيحة في الجهر بآمين في الصلاة كقوله في «الصحيحين»: «إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا فإنه من وافقَ تأمينُه تأمينَ الملائكة غُفِر له»٢. ولولا جهره بالتأمين لما أمكن المأمومَ أن يؤمِّن معه ويوافقه في التأمين. وأصرحُ من هذا حديث سفيان الثوري عن سلمة بن كُهيل عن حُجْر بن عَنْبس عن وائل بن حجر قال: كان رسول الله ﷺ إذا قال ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: «آمين»، ورفع بها صوته. وفي لفظ: وطوَّل بها». رواه الترمذي وغيره٣، وإسناده صحيح.
وقد خالف شعبةُ سفيانَ في هذا الحديث فقال: «وخفَضَ بها
(١) ت: «تقع».
(٢) رواه البخاري (٧٨٠) ومسلم (٤١٠/ ٧٢) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) رواه أبو داود (٩٣٢) والترمذي وحسنه (٢٤٨) وأحمد (١٨٨٤٢)، وصححه الدارقطني (١٢٦٩).