تقادم الزمان وإلى الآن، وكلَّ وقت تُترك سنة ويُعمل بخلافها ويستمرُّ عليها العمل، فخُذْ يسيرًا من السنة معمولًا به على نوع تقصير، وخُذْ بلا حُسْبانٍ ما شاء الله من سُنَنٍ قد أُهمِلتْ وعُطِّلَ العملُ بها جملة؛ فلو عمل بها من يعرفها لقال الناس: تَركتَ السنة!
فقد تقرَّر أن كل عمل خالف السنة الصحيحة لم يقع من طريق النقل البتةَ، وإنما يقع١ من طريق الاجتهاد، والاجتهاد إذا خالف السنة كان مردودًا، وكل عمل طريقه النقلُ فإنه لا يخالف سنة صحيحة البتةَ.
فلنرجع إلى الأمثلة التي تُرِك فيها المحكم للمتشابه، فنقول:
المثال السابع والخمسون: تركُ السنة المحكمة الصحيحة في الجهر بآمين في الصلاة كقوله في «الصحيحين»: «إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا فإنه من وافقَ تأمينُه تأمينَ الملائكة غُفِر له»٢. ولولا جهره بالتأمين لما أمكن المأمومَ أن يؤمِّن معه ويوافقه في التأمين. وأصرحُ من هذا حديث سفيان الثوري عن سلمة بن كُهيل عن حُجْر بن عَنْبس عن وائل بن حجر قال: كان رسول الله ﷺ إذا قال ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: «آمين»، ورفع بها صوته. وفي لفظ: وطوَّل بها». رواه الترمذي وغيره٣، وإسناده صحيح.
وقد خالف شعبةُ سفيانَ في هذا الحديث فقال: «وخفَضَ بها
(١) ت: «تقع».
(٢) رواه البخاري (٧٨٠) ومسلم (٤١٠/ ٧٢) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) رواه أبو داود (٩٣٢) والترمذي وحسنه (٢٤٨) وأحمد (١٨٨٤٢)، وصححه الدارقطني (١٢٦٩).
صوته»١، وحكم أئمة الحديث وحفَّاظه٢ في هذا لسفيان، فقال الترمذي٣: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: حديث سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل في هذا الباب أصحُّ من حديث شعبة، أخطأ شعبة في هذا الحديث في مواضع، فقال: «عن حجر أبي العَنْبس»، وإنما كنيته أبو السكن، وزاد فيه «علقمة بن وائل»، [١١٦/أ] وإنما هو حُجْر بن عَنْبس عن وائل بن حجر، ليس فيه علقمة، وقال: «وخفض بها صوته»، والصحيح أنه جهر بها.
قال الترمذي٤: وسألت أبا زرعة عن حديث سفيان وشعبة هذا، فقال: حديث سفيان أصحُّ من حديث شعبة، وقد روى العلاء بن صالح عن سلمة بن كهيل نحو رواية سفيان.
وقال الدارقطني٥: كذا٦ قال شعبة: «وأخفى بها صوته»، ويقال: إنه وهمَ فيه؛ لأن سفيان الثوري٧ ومحمد بن سلمة بن كهيل وغيرهما رووه عن سلمة فقالوا: ورفع صوتَه بآمين، وهو الصواب.
(١) رواه أحمد (١٨٨٥٤) وأبو داود الطيالسي (١١١٧).
(٢) منهم البخاري وأبو زرعة وسيأتي، ومسلم في «التمييز» (ص ١٨٠)، والدارقطني (١٢٧٠)، وحكى البيهقي في «معرفة السنن والآثار» (٢/ ٣٩١) إجماع الحفاظ على ذلك.