إعلام الموقعين

سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس١. وقال أبو عمر وغيره من العلماء: أجمع الناس على أن المقلِّد ليس معدودًا من أهل العلم، وأنَّ العلم معرفة الحق بدليله٢. وهذا كما قال أبو عمر ﵀، فإن الناس لا يختلفون أن العلم هو المعرفة الحاصلة عن الدليل، وأما بدون الدليل فإنما هو تقليد.

فقد تضمَّن هذان الإجماعان إخراجَ المتعصِّب بالهوى والمقلِّد الأعمى عن زمرة العلماء، وسقوطَهما باستكمال من فوقهما الفروضَ من وراثة الأنبياء، فإنَّ "العلماء هم ورثة الأنبياء، فإنّ الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافرٍ"٣. وكيف يكون من

  1. (١) بهذا اللفظ ذكر المصنف قول الشافعي في "مدارج السالكين" (٢/ ٣٣٥) و"الرسالة التبوكية" (ص ٤٠) و"الصواعق" (٤/ ١٦٠٦ - مختصره) و"الروح" (٢/ ٧٣٥). وسيأتي مرة أخرى في هذا الكتاب. وكذا نقله ابن أبي العز الحنفي في "الاتباع" (ص ٢٤) ومحمد حياة السندي في "تحفة الأنام" (ص ٢٨) وغيرهما، ولعلهم صادرون عن كتابنا هذا. وقال الشافعي في "الأم" (٧/ ٢٧٥): "ولا يجوز لعالم أن يدع قول النبي ﷺ لقول أحدٍ سواه". ونحوه في (١/ ١٧٧). وانظر: "الرسالة" (ص ٣٣٠).
  2. (٢) سيذكره مرة أخرى في هذا الكتاب. وانظر نحوه في "جامع بيان العلم وفضله" (٢/ ٩٩٣).
  3. (٣) كذا في حديثٍ رواه أحمد (٢١٧١٥)، وأبو داود (٣٦٤١، ٣٦٤٢)، والترمذي (٢٦٨٢) ــ وقال: "ليس هو عندي بمتّصل" ــ، وابن ماجه (٢٢٣) من حديث أبي الدرداء ﵁. وصححه ابن حبان (٨٣٠). وفي سنده ضعفٌ وجهالةٌ واختلافٌ، وانظر: "العلل" للدارقطني (٦/ ٢١٦ - ٢١٧)، و"جامع بيان العلم وفضله" لابن عبد البر (١٦٩ - ١٧٩)، و"بيان الوهم والإيهام" لابن القطان (٤/ ٢٨ - ٢٩)، و"مختصر السنن" للمنذري (٥/ ٢٤٣ - ٢٤٤)، و"تحفة الأشراف" للمزي (٨/ ٢٣٠)، و"الإتحاف بتخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (٣/ ٧ - ١٠).
11

ورثة الرسول ﷺ من يجهد ويكدح في ردِّ ما جاء به إلى قول مقلَّده ومتبوعه، ويضيِّع ساعاتِ عمره في التعصب والهوى ولا يشعر بتضييعه!

تالله إنها فتنة عمَّت فأعمَتْ، ورمَت القلوب فأصمَتْ١. ربا عليها الصغير، وهرِم فيها الكبير، واتخذ لأجلها القرآن مهجورًا، وكان ذلك بقضاء الله وقدره في الكتاب مسطورًا.

ولما عمَّت بها البليّة، وعظمت بسببها٢ الرزيّة، بحيث لا يعرف أكثرُ الناس سواها، ولا يعدُّون العلم إلا إياها؛ فطالبُ الحقِّ من مظانه لديهم مفتون، ومؤثِرُه على ما سواه عندهم مغبون= نصبوا لمن خالفهم في طريقهم٣ الحبائل، وبغَوا له الغوائل، ورمَوه عن قوس الجهل والبغي والعناد، وقالوا [٤/ب] لإخوانهم: إنَّا نخاف أن يبدِّل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد.

فحقيقٌ بمن لنفسه عنده قدر وقيمة، أن لا يلتفت إلى هؤلاء ولا يرضى لها بما لديهم، وإذا رُفِع له علَمُ السنة النبوية شمَّر إليه ولم يحبس نفسه عليهم. فما هي إلا ساعة حتى يبعثَر ما في القبور، ويحصَّل ما في الصدور، وتتساوى أقدام الخلائق في القيام لله، وينظر كلُّ عبد ما قدَّمت يداه. ويقع التمييز بين المحقِّين والمبطلين، ويعلم المعرِضون عن كتاب ربِّهم وسنة نبيهم أنهم كانوا كاذبين.

  1. (١) أي أصابت مقتلها.
  2. (٢) ع: "بها".
  3. (٣) س، ت: "طريقتهم".
12

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي