إعلام الموقعين

وكحديث أبي بكرة: أن رسول الله ﷺ كان إذا جاءه أمر يُسَرُّ به خرَّ ساجدًا شكرًا١ لله ﷿، وأتاه بشيرٌ يبشِّره بظَفَر جندٍ له على عدوهم، فقام وخرَّ ساجدًا٢.

وسجد كعب بن مالك لما بُشِّر بتوبة الله عليه٣، وسجد أبو بكر ﵁ حين جاءه قتل مسيلمة٤، وسجد علي ﵁ حين وُجِد ذو الثُّدَيَّة٥ في الخوارج الذين قتلهم٦.

ولا أعلم شيئًا يدفع هذه السنن والآثار مع صحتها وكثرتها غير رأي فاسد، وهو أن نعم الله سبحانه لا تزال واصلةً إلى عبده، فلا معنى لتخصيص بعضها بالسجود.

  1. (١) «شكرًا» ليست في ت.
  2. (٢) رواه أبو داود (٢٧٧٤) والترمذي (١٥٧٨) وابن ماجه (١٣٩٤) وأحمد (٢٠٤٥٥)، والحاكم (١/ ٢٧٦). وفي إسناده بكار بن عبد العزيز متكلم فيه. وانظر: «الضعيفة» (٤٣٦).
  3. (٣) رواه البخاري (٤٤١٨) ومسلم (٢٧٦٩).
  4. (٤) رواه عبد الرزاق (٥٩٦٣) من طريق مسعر عن أبي عون، وإسناده منقطع. ورواه ابن أبي شيبة (٣٣٥١٢) والبيهقي (٢/ ٣٧١) من طريق مسعر عن أبي عون عن رجل، ولم يسم، والأثر ضعفه الألباني في «الإرواء» (٢/ ٢٣٠).
  5. (٥) د: «ذا الثدية».
  6. (٦) رواه أحمد (٨٤٨)، وفي إسناده طارق بن زياد لم يوثقه إلا ابن حبان، ولكن له متابعان يحسن بهما الأثر. انظر: «الإرواء» (٢/ ٢٣٠).
403

وهذا من أفسدِ رأيٍ وأبطلِه؛ فإن النعم نوعان: مستمرة ومتجددة، فالمستمرة شكرُها بالعبادات والطاعات، والمتجددة شُرِع لها سجود الشكر؛ شكرًا لله عليها، وخضوعًا له وذلًّا، في مقابلة فرحة النعم وانبساط النفس لها، وذلك من أكبر أدوائها؛ فإن الله لا يحبُّ الفَرِحين ولا الأَشِرين؛ فكان دواء هذا الداء الخضوع والذلّ والانكسار لرب العالمين، وكان في سجود الشكر من تحصيل هذا المقصود ما ليس في غيره.

ونظير هذا السجودُ عند الآيات التي يخوِّف الله بها عباده، كما في الحديث: «إذا رأيتم آية١ فاسجدوا»٢. وقد فَزِع النبي ﷺ عند رؤية انكساف [١٢٣/ب] الشمس إلى الصلاة، وأمر بالفَزَع إلى ذكره٣، ومعلوم أن آياته سبحانه لم تزل مُشاهَدةً معلومةً بالحسّ والعقل، ولكن تجدُّدها يُحدِث للنفوس من الرهبة٤ والفزع إلى الله٥ ما لا تُحدِثه الآيات المستمرة، فتجدُّد هذه النعم في اقتضائها لسجود الشكر كتجدُّد تلك الآيات في اقتضائها للفزع إلى السجود والصلاة.

ولهذا لما بلغ فقيهَ الأمة وترجمانَ القرآن عبد الله بن عباس موتُ ميمونة زوج النبي ﷺ خرَّ ساجدًا، فقيل له: أتسجد لذلك؟ فقال: قال رسول

  1. (١) «آية» ليست في ت.
  2. (٢) سيأتي تخريجه بعد حديث.
  3. (٣) تقدم تخريجه.
  4. (٤) ت: «الربنه»!
  5. (٥) ت: «الآية».
404

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي